جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 06 مايو 2015

المتمرد!

تخرَّج في الجامعة، حصَل على بكالوريوس هندسة مَيْكنة الآلات الزراعيَّة، بدأ يبحث عن عمل، فظلَّ ينتَقِل من عمل الى عمل، ومن وظيفة الى وظيفة، عمل بورشة خراطة لم يلبَث أن تركَها، انتَقَل لمصنعٍ لتَصنِيع الآلات الزراعيَّة، لم يمكث به الاَّ عامًا واحدًا، ثم ترَكَه، فهو شابٌّ متمرِّد على الأوضاع، لا يرغَب في العمل لدَى الغير، كل ما يَمتلك تفكيره هو أنْ يكون له مشروعُه الخاص، وصَل تمرده لحياته العائليَّة، فكان لا يسمع أيَّ نصيحةٍ من والده، لدرجة أنَّ علاقته به وصلت الى حد أنهمالا يجتمعان معًا في البيت في وقت واحد.

ظلَّ هذا التمرد على هذه الحال، مرَّت سنة تلوَ الأخرى، لم يُحقِّق شيئًا يفتَخِر به، الى أنْ جاء يوم فدخَل عليه والدُه غرفتَه، جلَس أمامَه ينظر اليه، تنهَّد تنهداً عميقًا:

يا ولدي، أنا علَّمتك الى أن تخرَّجت في الجامعة، كلَّما اشتَغلت في عمل لا تستمر فيه طويلاً، وها أنا ذا قد تقدَّم بي العمر، زوَّجت أخواتك البنات، لم يبقَ الا أنت، أريد أن أطمئنَّ عليك، كُنت قد ادَّخرت مئة ألف جنيه لتزويجك، خذهم وابدأ حياتك بالطريقة التي تُعجِبك، ولن يكون لي أي سلطة عليك من تلك اللحظة.

اندَهَش هذا المتمرِّد من الحديث الذي سمعه، ولم يَنطِقْ بكلمة واحدة، غير مصدِّق أنَّ والده سيفعل ما قاله.

لم يَمُرَّ الأسبوع الاَّ ومئة الألف بين يديه، شعر بالخوف والحَيْرة، توقَّف عقلُه وكأنَّه طفل صغير، لم يتعلَّم شيئًا في حياته، بدأ يسأل كلَّ مَن يعرفه:

- ماذا أفعَل بهذا المبلغ؟ من أين أبدأ؟

فهذا ينصَحُه، وهذا يُشِير عليه، ظلَّ على هذا الوضع عِدَّةَ أشهر، كلَّما تقدَّم خطوة، رجَع خطوتَيْن، الرعب من الفشل يَمتَلِكه، خائفًا أنْ يَضعَ هذا المال في مشروعٍ فيخسره، الى أن جاء يومٌ أرشده أحدُ الأصدقاء فيه بأنْ يلتَحِق باحدى الأكاديميَّات البحريَّة، أخَذ بالنصيحة، والتَحَق بتلك الأكاديميَّة؛ للحُصُول على دِراسات تكميليَّة، مدَّتُها ستَّة أشهر، يتخرَّج بعدَها ضابطًا ميكانيكيًّا لصِيانة واصلاح السُّفُن البحريَّة.

وقدَّر الله له الخير، ففي الشهر الثاني من تلك الدَّورة أعلَنت الأكاديميَّة عن وجود مسابقة دوليَّة في بريطانيا للِّحام تحت الماء، تدعو فيها الدَّارِسين للمُشارَكة فيها، فتقدَّم هذا المتمرِّد لادارة الأكاديميَّة بطلَب الاشتِراك بالمسابقة، خلال أيَّام معدودة أنهت الأكاديميَّة اجراءات سفره، دخَل المنافسة، أحرَز المركز السابع وسط 112 مشتركًا من دول مختلفة، يوم توزيع الجوائز على الفائزين تقدَّم له أحد الأشخاص، عرَّفه بنفسه، عرَض عليه عقدًا للعمل في لحام أنابيب البترول بالبحر الأحمر، لدى شركة بترول عالميَّة، وافَق على الفور، ووقَّع معه العقد، سافَر مباشرةً من بريطانيا الى موقع العمل، رغم خطورة العمل، فكل مرَّة يغطَس يكون عرضة للموت، الا أنَّ حياته تغيَّرت تمامًا، انقلبت أوضاعُه رأسًا على عقب، يتَقاضَى راتبًا شهرياً يُقَدَّر بعَشَرَةِ آلاف دولار، يعمل شهرين ويأخذ راحة شهراً، قبل أن يَمرَّ عليه العام الأوَّل كان ذاهبًا لأداء العُمرة، ثم الحج في العام التالي، اشتَرَى سيارة حديثة، عرَض عليه أحدُ السماسرة أرضًا كبيرة في أفضلِ مكانٍ بالمدينة، فاشتراها وبنى عليها بيتًا فخمًا، ووفَّقه الله في اختيار شريكة العمر.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث