الثلاثاء, 07 أبريل 2015

عزيزي عضو هيئة التدريس هل تريدُ بحثًا؟

في الوقت الذي نحارب فيه السرقات العلمية «سرقوني» والشهادات الكرتونية «هلكوني» والتي لا تتعدى أن تكون حبرًا على ورق من جامعات وهمية، طلعت علينا رابطة أعضاء هيئة التدريس في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب بخدمة جديدة لا يمكن وصفها الا بأنها هلكونية، وهي تقديم خدمات في مجال البحث العلمي من خلال مركز «...» تتمثل في: اعداد خطة البحث، تصميم أدوات البحث، تطبيق أداة البحث وادخال البيانات، عمل المعالجة الاحصائية، تفسير النتائج، توفير الدراسات السابقة، الترجمة ونشر البحوث العلمية، ثم تبعتها مشكورة بأربعة أرقام هاتفية للتواصل مع المركز. قد أتفهم خدمة المعالجة الاحصائية لحاجتها لمتخصصين، ولكن الخدمات الباقية تعني ان كنت عضو هيئة تدريس وتود أن تعمل بحثًا، بغرض الترقية طبعًا، فما عليك الا أن تقول: أريد وتدفع«لا أعتقد أن هذه الخدمات مجانية في سبيل البحث العلمي»، وسوف نعد لك البحث من الألف الى الياء، من بداية الفكرة وتطبيقها وتفسير نتائجها الى نشرها في المجلات العلمية. وفي هذه الأثناء، قد يتفرغ عضو هيئة التدريس لأعمالٍ أخرى، كمتابعة مكتبه الاستشاري؟ أو التدريس لساعات زيادة على النصاب مثلاً؟

لا أعلم هل ألوم الدولة لتغاضيها عن وجود هذه المراكز، أم ألوم الرابطة لترويجها لها، أم ألوم من سيشتري خدماتها؟ فمثلما أصبح هوس حرف الدال بعائديه المادي والاجتماعي هو الدافع للحصول على الشهادات الوهمية، أصبح هوس الترقية هو أحد أسباب تواجد مثل هذه المراكز، وان لم يكن السبب الوحيد. فما أسهل على الطالب الآن عندما يطلب منه المدرس أن يقدم بحثًا أو يكتب مقالاً عن موضوع معين، أن يذهب الى أحد هذه المراكز، يدفع ليتسلم بحثه كما أراده المدرس. المشكلة هنا ليست أخلاقية فقط، بل هي اسلامية. فان يضع مستخدمو هذه المراكز اسمهم، ولربما أسماء زملائهم، على عملٍ لم يقوموا به «بمقابل مادي أو بغيره»، فهذا غشٌ وتلك مشكلة أخلاقية، ولكن أن يتم ترقية عضو هيئة التدريس على أساس هذه الأبحاث «مهما بلغ اتقانها وفائدتها» ليأكل من أموال ترقية ليس مستحقًا لها، أو أن يستفيد طالب من نجاحه في مقرر سيساعد على تخرجه بسبب بحثٍ لم يكتبه، فتلك مخالفة واضحة لحدود الله التي أمر ألا تقربوها حين قال تعالى: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ» «البقرة 188»، وما بُنيَ على باطل، فهو باطل. ما القدوة التي يصنعها هؤلاء لطلبتهم؟ لأبنائهم وبناتهم؟ لزملائهم واخوانهم؟ وما الحال الذي سيؤول اليه مجتمعنا عندما يتساوى المخلص مع الغشاش، والمجتهد مع المتسلق؟

المؤلم أن هذه الظاهرة متفشية علنا في الوطن العربي، وفي أمة تعاليم دينها ترفض وتحذر من الغش وأكل المال بالباطل. في حين أن الدول الغربية، غير المسلمة، تتبع تعاليم الاسلام أكثر منا، وان كانت غير منزهة عن الغش والسرقات العلمية، الا أنها تظل أحداثًا فردية غير معززة في المجتمع، ولا يوجد لها مراكز مُعلنة ولا يُقدم لها تسهيلات، بل ولا يتم تباحثها علنا لأنها من المحرمات. أما المضحك المبكي هو أننا أصبحنا الآن نصدر هذه الظاهرة للدول الغربية ولا نستنكرها لأنها أصبحت من سمات مجتمعاتنا، بل ونسبغ عليها سمات الاسلام: اتصل عليّ أحد طلبة البكالوريوس الخليجيين في بريطانيا يسألني عمن يمكن أن يساعده في كتابة بحث له لأحد المواضيع، لأن الشخص الذي يعرفه أخذ من صديقه مئة جنيه استرليني ولم يكتب بحثًا جيدًا، فأجبته ان كان يريد شخصا يكتب له البحث بهذه الطريقة، فلن أساعده على ذلك، ولكن ان كان يريد مساعدة في اللغة الإنكليزية وطريقة الكتابة والعرض، فانني على استعداد لمساعدته شخصيا على أن يقوم بالجهد الفعلي بنفسه. فأجابني: خلاص، ان شاء الله راح أصلي استخارة وأشوف أحد يكتب لي البحث، واذا ما لقيت بلغتك.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث