جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 06 أبريل 2015

قفلت فانفرجت

ظلَّ يكتب ويكتب، الى أن جاءته فترة شعر فيها بعدم القُدْرة على كتابة سطر واحد، أو يكتب ويَشْطب، يبدو أنه غير قادر على كتابة شيء يَرْضى عنه ولا يستحقُّ الشطب، انتابه شعورٌ مزعج بأنه فقد الهامه، فبدأ يبحث في مكتبته كَيْ يقرأ شيئًا عن تلك الظاهرة، هل مرَّ بها أحدٌ من الكُتّاب قَبْل؟ أم هو وحده الذي أصيب بها؟ فلم يجد لديه أيَّ كتاب يتحدَّث عن ذلك.

ظلَّ هكذا لا يكتب واذا كتب يشطب، الى أن جاء يومٌ وقرأ مقالاً في مجلَّته المفضلة بعنوان قفلة الكاتب.، فاندهش جدًّا، جلس طوال ليلة كاملة، كلَّما ارتمى بجسده على فراشه للنَّوم، قام وجلس وأمسك بالمجلَّة ليقرأ مرَّة تلو الأخرى، فاستيقظَتْ زوجته، فوجدَتْه يضع رأسه في احدى صفحات المجلة، فقالت له بصوت مكتوم يبدو عليه أثر النَّوم:

• ما بك، ماذا بالمجلة جعَلَك لا تنام الليل؟

رفع رأسه ينظر اليها فرحًا، عيناه تلمعان:

• الحمد لله، اطمأنَنْتُ على نفسي، هناك كُتَّاب حدث لهم قفلة.

• قفلة؟

• اجلسي أقرأ اليكِ جزءًا من المقال.

فجلستْ على المقعد المقابل له، ارتدَتْ نظارتَها لتراه جيدًا، انتظر حتى أحسَّ أنها منتبهة له، يقول كاتب المقال:

من الأمثلة الشهيرة لقفلات الكُتَّاب ما حدث لجون شتاينبك أثناء كتابة رواية Of Mice And Men التي استغرقت منه نحو 10 سنوات. ومثل القفلة التي حدثت لستيفن كينج أثناء كتابة The Green Mile، وقد عبَّر ستيفن كينج عن موضوع القفلة الكتابيَّة في قِصَّته Secret Window التي تحكي عن كاتب يُعاني من هذا الموضوع ولا يستطيع الكتابة، هناك حالات دامت فيها القفلة سنوات طويلة على غير المعتاد، فمثلاً، أُصيب الكاتب هنري روث «1906 - 1995» بقفلة كتابية استغرقت نحو 60 سنة. لكن لحسن الحظ يظلُّ هذا الأمر نادر الحدوث.

عندما انتهى من قراءة تلك الفقرة، رفع رأسه:

• ما رأيكِ؟

• جميل جدًّا، ألَمْ يذْكُر المقالُ طريقة لِفَكِّ تلك القفلة؟

• بلى، ذكَر، كتحديد وقت مخصَّص للكتابة، بِغَضِّ النظر عن مستوى جودة الكتابة التي يتم انتاجها، أو تخصيص وقت للكتابة الحُرَّة أو كتابة الخواطر، ذكر مثلاً لأحد أدباء المذهب الواقعي من أدباء فرنسا أنه كان يتجوَّل في شوارع باريس وفي جيبه دفتر صغير وقلم، كان كلما وجد مشهدًا في الشارع، أو استمع الى حوار في مجلس، أو في «الأتوبيس»، أو في طابور ما، أو لفت انتباهه شكلُ احدى الشخصيات: امرأة أو طفل أو رجل، سجَّل وَصْفَ الشخصية، وربما رسم أهمَّ ملامحها اذا استطاع الى هذا سبيلاً، فاذا عاد الى بيته مساءً قلب صفحات مفكرته، حاول أن يخترع رابطة وقضايا ومواقف بين هذه الشخصيات، وبذلك تتشكَّل في قصص.

فضحكت الزوجة، فنظر اليها نظرة غيظ؛ فقالت على الفور:

• لا تفهمني خطأ، هل ستفعل مثل هذا الأديب الفرنسي، أتَخْرج من البيت «تلف وتدور» في الشوارع والطُّرقات تبحث عن فِكْرة.

• لا يا «ناصحة ذكية»، بل سأجمع قصصًا من جلوسي اليومي على المقهى، فبدلاً من الدَّردشة بدون فائدة، سوف أسجِّل ما أسمعه من قصص وحكايات في ذهني، أحاول تدوين رؤوس المواضيع فقط؛ لأنِّي لا أستطيع الكتابة الكثيرة أمامهم حتى لا يشكُّوا في الأمر.

• فكرة جميلة جدًّا، هيا اكتب، اقتربنا من الافلاس.

• الله المستعان.

مرَّت الأيام، أسبوع يجرُّ أسبوعًا، يَنْزل يوميًّا يقضي نصف اليوم في المقهى، فيأتي ويجلس على مكتبه ممسكًا بقلمه يملأ عشرات الأوراق البيضاء، ثم يَصُوغ ما كتبه على الكمبيوتر حتى يغلبه النوم، فيستيقظ ليذهب الى المقهى مرة أخرى.

مرت عدة أشهر ولا جديد، اضطرَّ الى أن يستدين مبلغًا من المال، الى أن جاء يوم رنَّ جرس تليفونه، ظلَّ طوال المكالمة يضحك مع مُحَدِّثه، النار تأكل الزوجة، فتقول لنفسها:

• ما الذي يضحكه هكذا؟ يا رب يكون خيرًا.

انتهت المكالمة، السعادة الغامرة تملأ وجهه:

• فُرِجَت، فرجت،

• ما الأمر؟

• أنتِ طوال الأشهر الماضية، تقولين لنفسك: ماذا يفعل هذا الرجل، لم يصل الى شيء؟ هذا التليفون من صاحب أكبر دار نشر، يريد أن يجمع قصصي التي كتبتُها، ونشَرْتها على مُدَوَّنتي على «الانترنت» في كتاب، سيدفع لي مبلغًا كبيرًا جدًّا لم أكن أتوقَّعه، فالحمد لله رب العالمين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث