الخميس, 26 مارس 2015

شبهات شعرية

يناقش الفقيه الكرباسي عبر مسائل شرعية مجموعة من المسائل المتعلقة بالشعر، بعضها تقع في باب الشبهات، مثل شبهة حرمة التكسب بالشعر التي ليست سوى شبهة تعشش في أدمغة البعض كما رأينا، ومن الشبهات تناسخ الصور الشعرية، بحيث يعمد بعض الشعراء الى استخدام صور شعرية لآخرين، يرى البعض أنها تقع في باب السرقة الشعرية، لكن الفقيه الكرباسي يفصل بين سرقة البيت أو الأبيات وبين استنساخ الصورة أو المعنى، والاستنساخ حالة متقدمة عن توارد الصور والخواطر، فربما يقف شاعران على أطلال فينظمان الشعر فتأتي بعض الصور متشابهة دون سابق قصد الأخذ من الآخر، ولكن الاستنساخ فيه أخذ واضح، ومع هذا فليست هناك شبهة سرقة، ولهذا يؤكد الفقيه الكرباسي ان: «السرقة الشعرية لا تجوز وسرقة الصور الفنية أو المعنى جائز، أما نسبة شعر الآخر الى نفسه فمحرّم، أما اذا لم ينسبه الى نفسه فجاز انشاده»، ومبدأ الحلية حاضر في المسألة: «لأن الفكر منهلٌ مباح يستلهم كلٌ من الآخر شخصاً كان أو شيئاً فلا يمكن حصره»، ويتحقق مفهوم السرقة: «اذا ادعى أن الفكرة التي أتى بها من وحي ضميره وهو قد أخذها عن غيره فهذا معيب وسرقة لا يحل له ذلك»، وقد لا يتلاعب المرء بقصائد غيره فينشدها حتى وان لم ينسبها لنفسه لكن بطريقة توحي انها له، وفي المسألة فرضان: «ان كان الشعر مشهوراً لا ينطلي على الناس ذلك فلا يُعد سرقة، اما اذا لم يكن يعرف قائله فهذا نوع من أنواع السرقة المحرمة».
ويقع في طريق الحلية التضمين الشعري فهو ليس بسرقة: «اذ يجوز أن يُضمّن شعر غيره في قصيدته وهذا جائز»، ويشترط الفقيه الغديري في تعليقه: «رعاية عدم تغيير المعنى كلياً أو الصورة الموهمة الى الضلال». ولعل من الشبهات المشهورة الزعم بأن: «الشعر أعذبه أكذبه»، وهي مقولة لا تستقيم مع المفاهيم الانسانية الراقية المعاني للشعر، ولهذا يذهب الفقيه الكرباسي الى ان: «الكذب في الشعر لا يجوز»، وعلى الشاعر أن لا يعوّد قوافيه على ركوب أمواج الكذب ولا يسيّرها في بحور الدجل، وعليه فان: «استخدام الكذب والدجل في الشعر محرّم، والكذب في الشعر اذا خرج عن حدّ المبالغة التي هي جزء من البلاغة محرّم، حاله حال النثر والكلام العادي الذي يتفوه به الانسان».
نعم: «هجاء الفاسق والكافر المتظاهرين بالفسق والكفر جائز فيما أظهراه»، ويزيد الغديري معلقاً: «وذلك من دون فرق بين أن يكون في محضرهم أو في مغيبهم، بالشعر كان أو بالنثر، بالصراحة أو الكناية»، على ان الهجاء كما يؤكد الكرباسي، يدخل في باب: «مقارعة الظالم التي هي واجبة على القادر الذي يأمن على نفسه وعرضه وماله المُضر بحاله مع فقده»، وبالتأكيد فان: «هجاء المؤمن لا يجوز بأي شكل من الأشكال» بل ان: «ذم وهجاء الانسان بشكل عام لا يجوز سواء كان فيه ما يُذم أو لم يكن، فان لم تكن فيه صفات ذميمة فهذا كذب وافتراء، وان كان فيه ما يُذم فهو غيبة ان لم يعرفها أحد وان كان معروفاً بذلك، فان سبَّب ايذاءً فلا يجوز».
ومن الشبهات شعر الغزل، فهو واحد من أغراض الشعر، تقع الحرمة فيه: «اذا غازل الشاعر بشعرٍ امرأةً تحرُم عليه مغازلتها أي لم تكن زوجته أو أمته، حرُم عليه انشاد الشعر الغزلي لها» ويُستثنى من ذلك كما يعلق الفقيه الغديري: «ما كان عبر آلة التسجيل فالحرمة لا تقع على صاحب الصوت نعم يحرم أن يسمع من تحرم عليه والحكم حينئذ يتوجه الى السامع دون صاحب الغزل»، وقد يكون شعر الغزل محبوبا ومطلوباً في ذاته اذا شدّ من لحمة العلاقة الزوجية، من هنا يرى الفقيه الكرباسي أن: «مغازلة الزوجة بالشعر مهما كان نوعه لا اشكال فيه ان لم نقل باستحبابه اذا كان موجباً لمزيد العلاقة ومقدمة لممارسة الجنس معها، اذ هو بمصاف المُلاعبة الجسدية فهي ملاعبة كلامية ربما كانت اكثر هيجاناً من الأمور العملية»، ولأن الأصل في كل شيء الحلية الا ما ورد الدليل على حرمته فان المعلق يزيد قائلا: «وان كان مقترناً ومنضما بالرقص أمامه أو معه، فان جميع الأعمال المثيرة والمهيّجة يشملها حكم التلاعب المباح أو المستحب وتتأكد محبوبيته، ولا يخفى ان استخدام الآلات المعدة للغناء محرّم حيث يبقى حكمها على حاله لأن الحلال لا يحلّل الحرام».
في الواقع ان كتيب شريعة الشعر رغم تسليطه الضوء على ما يجوز وما لا يجوز من الشعر ونظمه، انما يدعو ويشجع على انشاء الشعر وانشاده بما فيه خير الأمة وسعادتها والترويح عن النفس والروح، ويقدم رؤية شرعية تأصيلية وتأطيرية هي بمثابة خارطة طريق لكل ناثر أديب وشاعر أريب.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث