جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 24 مارس 2015

دعوها تملأ الحياة حباً

أسدل الستار على الفصل الختامي لمسرحية عيد الأم التي تقيمها مصر كل عام لتختار الأم المثالية وكالعادة فان الشرط الأول والأخير في الحصول على هذه الجائزة العظيمة هي أن تكون أماً مقهورة مات عنها زوجها وقررت ألا تتزوج لتفني حياتها من اجل الآخر وتضحي بمستقبلها وبسعادتها حتى وإن نضب ماء حياتها وذابت في نجاح الآخر، وبالطبع الشرط الثاني ألا تكون مطلقة وكأن الطلاق وصمة عار في جبينها يحاسبها عليه المجتمع والتقاليد وعالم الجوائز حتى آخر لحظة في حياتها مع أن المطلقة ربما تكون أكثر تحديا من الأرملة لأنها اختارت بإرادتها أن تنفصل ولا تعيش حياة الذل والقهر والعبودية أو حتى لا تعيش حياة هي غير راضية عنها يملؤها الاختلاف واللامبالاة والفتور وربما تكون أيضا مظلومة من زوجها وطلقها غدراً، وفي كل الحالات سواء قررت أن تتحدى الظلم أو تتحدى العبودية أو تتحدى الحب فهي إنسانة قوية لم تنجرف وراء مشاعر الانتقام والتقليد الأعمى للزوج فلم تهمل أولادها مثله وتتزوج من أول رجل يقابلها حتى لو كان غير مناسب تحدياً له بل تناست كل مشاعرها السلبية وحولتها لطاقة إيجابية تنصب في تربية أولادها ورعايتهم والتفاني في إرضائهم ونجاحهم.

وطبعاً الأم المثالية في مصر عليها

ألا تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها

أو طلاقها وكأن محاولة النجاح مرة أخرى في عرفنا عار وعدم الاستسلام خطيئة، وكأن ترسيخ مبدأ التضحية أصبح واجباً وطنياً على المرأة وعليها أن تعرف دائما أن هناك علاقة عكسية ودائمة بين نجاحها ونجاح أبنائها بل ونجاح المجتمع، فإذا نحن أمام رهبانية خاوية قاسية يكسوها العقل وتبررها الأعراف ولا يرضى عنها الله حتى وإن بدت المرأة راضية قانعة بمحرابها فيوما ما ستنفجر فقاعة التضحية حين تتحرك بداخلها فطرة أفسدتها حياة مفتعلة غير طبيعية وحين يئن ويصرخ طموحها المكبوت التي كانت تحلم به.

الشرط الثالث ألا تكون المرأة المثالية بأي حال من الأحوال امرأة عصرية ناجحة وقوية ومتزوجة من رجل ناجح وتعيش حياة أسرية مستقرة ومتفوقة في عملها أستاذة جامعية مثلا أو وزيرة أو قاضية أو جراحة أو كاتبة واستطاعت الموازنة بين نجاحها ونجاح أبنائها فكانت مرآة صادقة يرى فيها أبناؤها ومجتمعها وجه النجاح وأنشأت جيلاً قادراً على الإبداع والتفوق وموهوباً وخارقاً للعادة، هذا النوع من النساء في مجتمعنا أول من يستثنى من جائزة الأم المثالية ويا للعجب.

ويبقى السؤال: لماذا نصر على أن نجاح المرأة مرهون بالتضحية وذوبان شخصيتها وإهمال حالها فعلى الكل أن يمتص دماءها لأنها شريان الحياة كالملك الظالم الذي كان يمتص دماء الأطفال ظنا منه أن ما ينقص من حياتهم سيزيد من حياته. وعليها أن تكون طوبة ليعلو بها الجدار وأن تكون أرضاً ممهدة ليدوس عليها الجميع على اعتبار أن ظلامها الدامس مصباح يتلألأ لهم، تكتبون حكمكم بالإعدام عليها وكأنكم تكتبون نهاية رواية رومانسية.

اتركوها تطل من نافذة الحرية والإبداع والنجاع حتى تملأ فضاء الحياة حبا وحتى تكون قادرة على العطاء الحقيقي دون أن تفنى أو تتلاشى أو تشعر بالقهر.

عفوا أنها جائزة الأم المقهورة وليست المثالية، فالمثالية موقف فلسفي نظري وعملي يرد كل ظواهر الوجود إلى الفكر أو يجعل من الفكر منطلقا لمعرفة الوجود أو الحقيقة وعليه وطبقا لتعريف المثالية فجائزة الأم المثالية يجب أن تكون لأم لم ترضخ لقوانين الناس والتي لا أصل دينياً لها إنما هي مجرد تقاليد وأعراف فرضها كل مجتمع على المرأة حسب موروثه لكي تظل ضعيفة مستسلمة هزيلة الأفكار لا تبتكر ولا تنتج جيلاً قادراً على الابتكار والتحدي والتطور مع المجتمع المعاصر، نريدها أماً مميزة استطاعت أن تفعل ما عجزت باقي الأمهات عن فعله وقتها فقط ستستحق لقب الأم المثالية.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث