جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 22 مارس 2015

أتعبناك ولم تتعبينا

كانت الساعة تشير الى الثالثة في السّحَر، صوت والدي، رحمه الله وحشره على منابر من نور في أعلى عليين، كان يناديني لأرى ما بها، كان صوت نفـَسها عاليًا جدا وكانت تتصبّب عرقا. بمساعدة الممرضة تمكنت من تغيير ثيابها وتعديل استلقائها على السرير لعل الحشرجة تخف وتعود للنوم بهدوء، طمْأنتُ والدي المريض المسن لكي ينام مجددا، عدت الى غرفتي، لم أكن أعلم أنها تحتضر.
في الصباح مررت لأطمئن عليهما قبل خروجي للعمل، كانت الأمور على ما يرام. وفي أثناء زيارتي لمدرسة يوسف بن عيسى الثانوية تلقيت اتصالا من الممرضة تطلب عودتي سريعا للمنزل. عدتُ، مسحت بيدي على وجهها الجميل لتشعر بي، رأتني، ابتسمت، ففارقت الحياة.
كم كنت جميلة يا أمي، كم كنت حنونة، كم كنت سخية في عطائك معنا ومع أبنائنا. كنتِ مدرسة ً جامعة. اهتممت كثيرا بتعليمنا رغم أنك لم تنالي أي قسط منه. شريط الذكريات يمر على الدوام واضحا جليًا وأنت تهتمين بكل شيء يا أمي، بكل شيء. لا أنسى فطور الصباح وبالأخص أيام الامتحانات وأجوائها المريحة التي كنتِ توفرينها لنا. لم تقبلي قط أن نذهب للمدرسة لمعرفة نتائج الامتحانات، كنت تنتظرين توزيع الشهادات لترَيْ أننا الأوائل.
اهتمامك بهندامنا كان محط الأنظار ونحن على مقاعد الدراسة. أخواتي اللاتي يكبرنني سنا كنّ مثالا للنظافة مُذ كان عدد مدارس البنات في الكويت لا يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة. لا تنفكّ أخواتي عن ترديد الموقف بفخر وهن صغار في المرحلة الابتدائية، تحملهن المعلمة لتوقفهن على الطاولة في الفصل لترى بقية التلميذات نظافة ملابسهن الداخلية والمريول المدرسي.
كم كنت مثقفة يا أمي. لقد كنت ملمة بعلوم الطبيعة والطاقة والنجوم والبروج السماوية. أذكر جيدا، وتعلو محيايَ ابتسامة عريضة، وأنا ألقي عليك تحية الصباح كل يوم بلغة، بالعربية مرة، وبالإنكليزية مرة أخرى، وبالفرنسية وأيضا بالفارسية، وتردين علي باقتدار حسب كل لغة.
كم كنت جميلة يا أمي، اهتممت بنا بنفسك بكل صغيرة وكبيرة في حياتنا حتى بات أثركِ مغروسا في نفوسنا، طعامُكِ كان لذيذا، حديثُكِ كان حلوا ممتعا، الجلوس معك كان مؤنسا، رعايتك لأبنائنا جميعا لا نظير لها. لقد تعبت كثيرا يا أمي في تربيتنا ورعايتنا.
تمر الأيام وترسخ ذكراكِ في نفوسنا، انه شهر مارس الحزين، يا أمي، حينما تركتِنا بهدوء دون أن تُتعبينا، رحلتِ عن دنيانا لنجترّ لوعة الفراق، وهذا العمود غير كاف لما يختلج في صدري من شجن.
رحمكِ الله يا أمي برحمته الواسعة وجزاك عنا خير الجزاء. عزاؤنا أنك بين يدي مليك مقتدر، وقبرك روضة من رياض الجنة باذن الله تعالى.
السلام عليك يا أمي، السلام على تلك الأيام الخوالي.
كلنا حنينٌ وشوق للقياك.


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث