الجمعة, 20 مارس 2015

الشخصية المصرية لغز يحير!

في البداية أحب أن أشير إلى أنه من الصعب أن نعمم على أي شعب سمات خاصة في شخصيته، لأن كل السمات توجد في أفراد الشعب بطرق متباينة، ولكننا نستطيع أن نصف السمات الغالبة على شعب معين.

فنحن نردد دائما كلمة الشخصية دون أن نعرف، في أغلب الأحيان، معناها المحدد، والشخصية هي الصورة المنظمة المتكاملة لسلوك الفرد التي تميزه عن غيره. اي انها عاداته وأفكاره واهتماماته وأسلوبه في الحياة. وعندما نحاول أن نصف أي شخصية فاننا نصفها على أساس السمات المميزة لها مثل: البشاشة، الكآبة، الكرم، البخل، الصدق، الرياء، الاتزان العاطفي والانطوائية.. الخ

وليست الشخصية مجرد مجموعة من هذه السمات، بل إنها في الحقيقة حصيلة تفاعل هذه السمات بعضها مع بعض ، وعندما نقول ان الشخصية ناضجة فاننا نعني بذلك وجود تناسق في السمات.

وقد اتفق علماء الطب النفسي على وجود ثلاثة أبعاد للشخصية الا وهي:

1- الصورة الذاتية: وهي ما يعتقده الفرد عن نفسه، خصوصاً عندما يخلو لذاته.

2- الصورة الاجتماعية: هي ادراك المجتمع والناس لهذه الشخصية، وكيف ينظرون لصاحبها ويُقيمون صفاته، ويحتمل ان تكون مختلفة تماما عن الصورة الذاتية.

3- الصورة المثالية : هي ما يصبو اليه الفرد لتحقيقه من تطلعات وامال مستقبلية.

ولقد تميزت الشخصية المصرية على مر عصور طويلة بسمات كانت أقرب إلى الثبات ولذلك يعتبرها العلماء سمات أصيلة لتميزها عن السمات الفرعية أو الثانوية القابلة للتغيير مع الظروف الطارئة. فالمصري تميز بكونه: ذكيا، متدينا، طيبا، فناناً، ساخرا، عاشقا للاستقرار، يحب الفكاهة والمرح، مبدع ومتميز في كل المجالات، يفرض لهجته على كثير من الشعوب،مكافح يتأقلم مع الظروف المختلفة ـ مساير للتطور التكنولوجي، يتمتع بكريزما في الشخصية، يمتاز بخفة الظل حتى في أقصى الأزمات والشدائد يكرس حياته في خدمة أبنائه ولديه انتماء وولاء كبير لوطنه، ثائر، خير بطبعه ووصفهم الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم «خير جنود الارض». ولذلك سوف نجد أنفسنا أمام سمات قد تبدو متباعدة أحيانا ومتناقضة أحيانا أخرى، وهذا يستدعي منا الكثير من الصبر وسعة الصدر والاحتمال لما سنعرضه عن هذه الشخصية المثيرة للاعجاب في لقطات والمثيرة للغضب والاستهجان في لقطات أخرى.

فاذا نظرنا إلى الطبيعة المصرية وجدنا النيل يتمايل في هدوء بين جنب الوادي السهل المنبسط، ووجدنا سجادة من الخضرة الجميلة والمريحة منبسطة على ضفتيه تدعو للراحة والاسترخاء، وخرير المياه في القنوات والترع، وأنين السواقي وهي تروي عطش الأرض، ووفرة الغذاء الناتج عن الأرض الخصبة المعطاءة، والسماء الصافية معظم فصول السنة، والشمس المشرقة على مدار العام، والمناخ المعتدل صيفا وشتاء يخلو الطقس من التقلبات الحادة والعنيفة. هذه هي الطبيعة التقليدية التي عاش فيها المصري على ضفتي النيل وتركت بصماتها على شخصيته في صورة ميل إلى الوداعة والطمأنينة والهدوء وطول البال والدعابة والمرح والتفاؤل والوسطية وحب الحياة.

وربما يقول قائل: وما الغرابة في ذلك أليست مصر مثل كل المجتمعات البشرية، والبشر فيهم كل هذا؟ وهذا تساؤل مشروع ومنطقي ولكن في الشخصية المصرية وفي الحياة المصرية عموما تجد هذه التعددية وهذه المتناقضات صارخة إلى الدرجة التي جعلت عالما مثل موريس هيندوس يقول ان مصر أرض المتناقضات، كما يقول جمال حمدان – تحت تأثير التباين الشديد بين الفروق الاجتماعية الصارخة من ناحية، أو من ناحية أخرى بين خلود الآثار القديمة وتفاهة المسكن القروي، أو بين الوادي والصحراء حيث يتجاوران جنبا إلى جنب، ولكن كما تتجاور الحياة والموت.

وفي نفس السياق وضع الدكتور ميلاد حنا كتابه الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ليوضح فيه روافد تعددية وثراء وأحيانا تناقض سمات هذه الشخصية.

الغريب والمحير هو انك اذا كنت بالقاهرة وأردت دخول مسرح او مله ليلي تجده مزدحماً بالمصريين واذا أردت دخول مسجد ستجد نفس الازدحام وان أردت ان تتسوق ستعاني من شدة الازدحام وهذه تثقل اللغز المحير والمتناقض للشخصية المصرية لكنها طبيعة هذه الشخصية. وقد كثرت الأبحاث والكتب التي صدرت عن الشخصية المصرية، حيث يقول جيمس برستد في كتابه الشهير « فجر الضمير »: ان المصريين هم الذين أوجدوا الضمير الانساني لأنهم أول من عرفوا الله وامنوا بالعالم الاخر ولم يتمكن احد قبلهم من ادراك هذا الواقع، ويبدو ان الايمان بالله واليوم الاخر يتوارث من خلال جينات الوراثة في المصريين، فقد آمن المصريون بالله قبل الاديان السماوية، ثم امنوا باليهودية ثم المسيحية ثم الاسلام.

وهنا سؤال مهم: كيف يعيش المصريون بمرتباتهم الهزيلة وكيف يدبرون حياتهم ونصفهم تحت خط الفقر دون أن يثوروا أو تنتشر بينهم الجريمة؟

أن المصريين لديهم قدرة هائلة على التكيف مع الظروف، ويبدو أن هذه القدرة اكتسبوها من تاريخهم الطويل في التعامل مع أنماط متعددة من الحكام والحكومات، وتغير الظروف والأحوال التي يعيشون تحت وطأتها، فلديهم مرونة كبيرة في التعامل، ولديهم قدرة على قبول الأمر الواقع والتكيف معه أيا كان هذا الأمر، ولديهم صبر طويل على الظروف الضاغطة.

ورغم ذلك نجد الشخصية المصرية تحصل على جائزة نوبل ونجد عميد الادب العربي طه حسين وأشهر العلماء في مجال الفضاء وأشهر الفنانين والعازفين العرب وأمهر الجراحين المشهورين في مجال الطب البشري وأساتذة الجامعات المرموقين والقضاة والمعلمين الأكفاء والكثير في المجالات المختلفة كلهم يتمتعون بالشخصية المصرية ذات السمات التي اشارنا اليها سابقاً.

الشخصية المصرية تتميز بالانبساطية والاجتماعية من حب الاختلاط والدفء العاطفي مع الاحساس بالمسؤولية الاسرية، ومع ذلك توجد صفات تحتاج إلى ايضاح وتفسير وتعديل، فالكثيرون من المصريين يتميزون بما يسمى بالشخصية السلبية العدوانية الاعتمادية، وينعكس ذلك على سبيل المثال في النكتة السياسية وهي سمة سلبية وعدوانية في نفس الوقت.

لذا يجب أن نستفيد من المصريين في دورات مهارات الحياة لأنني على يقين من أن الشخصية المصرية هي بالفعل أقدر الشخصيات لمثل هذه الدورات لأنها بالفعل مزيج من مهارات الحياة والغز المحير ولكنها تستحق كل احترام وتقدير.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث