جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 11 مارس 2015

تطويع المفردة

لم يترك الكرباسي أسماء أجداد الامام الحسين «ع» دون الوقوف عندها وبيان معناها ونشأتها، فعدد غير قليل من أسماء الأعلام المتداولة تبدو غريبة على الأذهان،  أو كاشفة عن وضع خاص ولأجله سمي به الوليد، ففي الوضع الطبيعي فان الأب يختار لوليده ما اشتهر من الأسماء ذات الدلالات اللطيفة والظريفة والمحببة للأسماع ولاسيما مع أسماء الاناث، بيد أن العرب عمدوا الى تسمية مواليدهم آخذين بنظر الاعتبار صفات معينة موجودة في جماد أو حيوان أو نبات، أو حتى ظروف او وضعيات معينة، فعلى سبيل فان الجد الأعلى للامام الحسين «ع» قصي بن كلاب بن مرة الفهري اشتهر بهذا الاسم أو الكنية في حين أن الاسم الاول عند الولادة هو زيد، وقُصي مأخوذ من الاقصاء والبعد والتغرب حيث أن زيداً «قصياً» كان يتيما انتقل الى الشام من جزيرة العرب بعد هجرة والدته مع زوجها، ومن هذه الهجرة الاقصائية وانتزاعه من مسقط رأسه جاء اسم قُصي.

وقصي هذا الذي عاد الى مكة بعد سنوات طويلة، له الفضل في اعادة بناء الكعبة الشريفة، وكان يردد عند البناء:

أبني لقومي بيت رفعتها.. وليبنِ أهلُ ورّاثُها بعدي

بنيانها وتمامها وحجابها.. بيد الاله وليس بالعبد

ولان النسب شريف، فقد بنى دار الندوة الذي يمثل مركز القرار السياسي والعسكري، وآلت اليه سقاية الحاج والرفادة واللواء وسدانة البيت الحرام ورئاسة الندوة، ومن حكمه وقصار كلماته: من استحسن قبيحاً نزل الى قبحه، من أكرم لئيماً أشركه في لؤمه، من طلب فوق قدرته استحق الحرمان، ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان.

ومن المفارقات أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم نشأ يتيماً، ومثله جده عبد المطلب وجده الأعلى قصي، وأن النبي موسى نشأ يتيماً وأن النبي عيسى ولد لأم دون أب، فأنبياء الديانات السماوية الثلاث قضوا المراحل الأولى من حياتهم بعيداً عن رعاية أب، لكنهم وهبوا للبشرية رعاية الأبوة.

ومن أجداد النسب الشريف «هاشم» هو عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة الفهري، ولصقت به تسمية هاشم نسبة الى فعله الجميل في سد المجاعة والقحط الذي حل بمكة عبر شراء الكعك من الشام وجلبه وتكسيره وعمل الثريد، واليه يعود الفضل في سن رحلتي الشتاء والصيف اللتين جاء ذكرهما في القرآن الكريم.

وفيه قال الشاعر الجاهلي مطرود بن كعب الخزاعي:

عمرو الذي هشم الثريـد لقومه... قـوم بـمكـة مسنتــيـن عجــاف

سنت اليه الرحلتــان كــلاهمـا... سفر الشتـاء ورحلة الأصيـاف

وهاشم هذا الذي رعى البيت العتيق وأهله وحجاجه، اليه يُنسب بنو هاشم، واليه تُنسب مدينة غزة في فلسطين حيث يقال لها غزة هاشم وفيها دفن وقبره يُزار.

ومن الأجداد عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة الفهري، والاسم على وزن ثُعبان ومنه جاءت التسمية في بعض الأقوال، ولهذا استخدم كنية للثعبان فيقال له أبو عثمان.

وهكذا تتعدد أسماء الحيوانات ولكل منها دلالتها استخدمت للعلمية والأسماء، من قبيل: بُهثة وهو اسم ذكوري أي البقرة الوحشية، ودعد وهو اسم ذكوري من ألقاب الحرباء، ورِزام وهو اسم ذكوري يوصف به الأسد للدلالة على الشجاعة، والحِسْل وهو اسم ذكوري مأخوذ من ولد الضب فهو ليس بالسهل اليسير، وعوف وهو اسم ذكوري من أسماء الأسد الذي يتعوف في الليل يلتمس الفريسة لافتراسها، وثعلبة وهو اسم ذكوري مأخوذ من الثعلب المعروف بالحنكة والمراوغة.

في الواقع ان استخدام اسماء الجمادات من قبيل صخر ونهر، والنباتات من قبيل زهرة ووردة، والحيوانات من قبيل أسد ونمر، والأوضاع والحالات من قبيل ساهر وقصي، تظهر قدرة اللغة العربية على تطويع المفردة لتدخل عالم الأسماء العَلَمية، فيشيع تداولها، ولكن لما كان في التطويع افراط يتعارض مع شخصية الانسان وكرامته، فان نبي الاسلام جاء وشذب الأسماء وغيّر من بعضها في عملية تربوية هادئة تدفع بالآباء الى اللطف بالأبناء بأسماء حسان، وفي الحديث النبوي الشريف: من حق الولد على والده ثلاثة: يحسن اسمه، ويعلّمه الكتابة، ويزوّجه اذا بلغ.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث