الخميس, 22 يناير 2015

بحور مستحدثة

عاش الإنسان من غابر العصور والدهور، ومرّ في الفيافي، وتنقل في الوديان، وارتقى الجبال، وركب البحر، وتعامل مع الحجر والمدر والحيوان، وطوّع لحاجاته اليومية بعض الفلزات وغير الفلزات، واستعمل الدابة في الحرث والحركة، وظل لفترة طويلة على هذا المنوال، وفي كل مرّة يكتشف الجديد به يتطور ويطوّر، وعلى يديه تتسارع مراحل الحياة، وفي كل فترة زمنية تشهد الأرض طفرة علمية تتناسب والوضع الاجتماعي العام والأمداء العقلية التي بلغتها البشرية، حتى وصلنا وما وصلنا اليه من تطويع للذرة التي لا ترى بالعين المجردة، والتي بها يُضرب المثل لضاءلة حجمها، ودخلت في كل مفاصل الحياة السلمية والحربية، وهذا التطور السريع الطفرات يشهد يوماً بعد آخر ارتفاعاً في الخطوات واتساعاً في الخطو، حتى بات العلم في بعض أجزائه خطراً على الحياة وعلى عموم البشرية والكرة الأرضية بما تحمل من جبال ووديان وانهر وبحار ومحيطات وبما تحيط بها من طبقة أوزون واقية.

ولم تخل دائرة من دوائر الحياة من توسع قطرها بالاكتشافات والابداعات والاختراعات، بما أودع الله من سنن في باطن الأرض وخارجها، وهي سنن فوّض الى الانسان أمر استخراجها من خزانة المستور، بما جعل في عيبة جمجمته من عقل ينشد الصقل كلما علاه الصدأ أو ران على قلبه الرين.

ولم تكن صناعة الكلام، بما قذفته الألسن والأفهام وأسالته المحابر والأقلام، بمنأى عن سنن التطور، وفي حقل القوافي والأوزان شكّل الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى عام 175هـ، معلماً فارقاً ومميزاً في ارجاع الشعر العربي الى تلازم تفاعيله المشكّلة لوزنه وبحره، فكانت التفاعيل ثمان، وهي: «فعولن، فاعلن مفاعلتن، متفاعلن، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتُن، مفعولاتُ»، ومن هذه التفاعيل جاء الفراهيدي بالبحور الخمسة عشر: الطويل، المتقارب، البسيط، الرجز، السريع، المنسرح، الكامل، الوافر، المديد، الرَّمل، الخفيف، الهزج، المضارع، المقتضب، والمجتث، وكلها مستخرجة من دوائر خمس هي: المختلف، المتفق، المؤتلف، المجتلب، والمشتبه، وزاد الأخفش سعيد بن مسعدة المتوفى عام 215هـ ببحر المتدارك.

وظلت براءة اكتشاف بحور الشعر مقفولة على الفراهيدي، حتى جاء القرن الخامس عشر الهجري، لا ليكتشف الأديب والمحقق والفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي بحوراً جديدة من بطون الشعر العربي، كما فعل الفراهيدي، وانما ليستحدث دوائر شعرية جديدة بلغت 43 دائرة وليبدع بحوراً جديدة بلغت 210 ابحر من اثنتي عشرة تفعيلة أخرى هي: «فعْلن، مفاعيلتُنْ، مفاعلن، مفتعلن، مستفعلتُن، فعلاتُن، فاعلاتتُن، متفاعلتن، مفتعلتُنْ، مفعولنْ، مفعولاتُنن متفاعيلتُن»، وهذه الدوائر والبحور قيّد براءة استحداثها في ثلاثة كتب صدرت في عام 2011م هي: هندسة العروض من جديد، الأوزان الشعرية العروض والقافية، وبحور العروض، وحتى يضع الأديب الكرباسي عشاق الأدب العربي وطلابه  ودارسيه في جو البحور الجديدة عمد الى وضع ديوان ظلال العروض في ظئاب المطالع والملاحق في ثلاثة أجزاء، ضم كل قصيدة مطلعاً فيه تفعيلة البحر الجديد «التام والمجزوء والمنهوك» وأبدع الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين في اتمام مطلع القصيدة بملاحق من سنخ التفعيلة والبحر والوزن والروي في مئات الأغراض الشعرية توزعت على «639» قصيدة بديعة، ضم الجزء الأول «199» قصيدة، فيما ضم الجزء الثاني الصادر حديثا «2014م» في 424 صفحة من القطع الوزيري عن بيت العلم للنابهين في بيروت، من «200 قصيدة» والبقية تأتي في الجزء الثالث والأخير.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث