جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 30 ديسمبر 2014

قامت ثم دالت

تعد الحكومة الإسلامية التي أسسها نبي الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة في العام الأول من الهجرة هي باكورة الدول التي بدأ بها الكتاب فيما تعتبر الجمهورية الإسلامية في إيران التي أسسها السيد روح الموسوي الخميني عام 1979م آخرها، وما بينهما 254 دولة ومملكة وإمارة، وكلها حكمت باسم الإسلام، منذ مطلع القرن الأول الهجري وحتى مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وهي مجموع الحكومات التي ورد ذكرها في أجزاء دائرة المعارف الحسينية لمؤلفها المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، تقصاها الأستاذ ال?ميمي وجمعها في هذا الكتاب، حيث اعتمد في وضع تسلسل الدول على تاريخ النشأة متقيداً بذكر مؤسس الدولة أو المملكة أو الإمارة أو الجمهورية، وعاصمتها، وسلسلة الحكام حتى آخرهم، وسنة انقراضها والجهة التي أسقطتها، وما كانوا عليه من مذهب اسلامي، على ان المذهبية دخلت كركن أساس في قيام حكومات وسقوط أخرى، وعدد غير قليل مما ذكره المحقق الكرباسي في الموسوعة الحسينية وقيّدها التميمي في الكتاب إنما قامت على أساس مذهبي طائفي، وتحت حد المذهبية قُتل الكثير من المسلمين، وتداعيات هذه الحرب الخؤون لازالت الى يومنا هذا قائمة يغذيه? الغلاة والجهلة من كل الفرق والمذاهب الإسلامية.
ولعل واحدة من الدروس المستقاة من ثنايا الكتاب، أن ذاكرة الإنسان ذات ألوان متعددة، تسودّ مع الحكومة الفاسدة وتخضّر مع الحكومة الصالحة، والآثار التي تتركها الأمم السابقة يتوقف طبيعة ذكرها في النفس تبعاً لطبيعة الحاكم أو الحكام، فيتحقق عندها مفهوم العبرة والاعتبار، فالواقف على الأطلال بين دائرتين، فإما أن يترحم على الحاكم أو يلعنه، والأمر عائد لما يتركه من أثر خير أو شر، مثلما هو المرء المحكوم، حصير ما يترك من عمل وافرازاته إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌ، ومن أمثلة ذلك هو الحجاج بو يوسف الثقفي «40- 95هـ» الذي ح?م العراق، لكن ذكره يبعث على الاشمئزاز والنفور تتبعه اللعنات، وتولى مالك بن الحارث الأشتر «25 ق.هـ- 38هـ» حكم مصر، وذكره مدعاة لذكر الخير تتبعه الرحمات، فالأول كان يحكم في دولة يُقال لها دولة اسلامية والثاني حكم بالعنوان نفسه، لكن الأول مثال الشر والثاني مثال الخير، فالأول عمل بشعار: «إني لأرى رؤساً قد أينعت وحان قطافها، وإني صاحبها، وكأني أنظر الى الدماء بين العمائم واللحى» والثاني عمل بوصية الإمام علي كرم الله وجهه: «أنصفِ الله وأنصفِ الناسَ من نفسك ومن خاصّة أهلك ومَن لك فيه هوًى من رعيتك، فإنك إلا تفعل ?ظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده»، وبجملة مفيدة وكل جمل أمير الفصاحة والبلاغة مفيدة: «استصلاح أهلها وعمارة بلادها»، ولهذا يدخل المرء مدينة واسط «الكوت» في العراق ولا يجد للحجاج قبرا ولا ذكراً سوى اللعنات، فيما تتراءى أمام ناظريه مراقد لعلماء أجلاء أطاح برؤسهم الحجاج ظلماً وعدواناً، ويدخل المرء مصر ويقصد مدينة الخانكة «الخانقاه» في القليوبية لزيارة مرقد مالك الأشتر وقراءة الفاتحة عند قبره، ويغادر مرقده على أمل العودة ثانية، تلك صورة وهذه صورة، وهي تحكي حال الدول والممالك وما ينطوي عليه قول الل? تعالى: «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
ولا يذهبن الظن بأحد بأن الطغيان هو صفة خاصة بالحاكم الظالم دون بقية الناس، فالطغيان صفة مذمومة تتحقق في كل انسان حاكما كان أو محكوماً، لأنه تعبير عن الانفلات عن مركز القيم والمفاهيم الحقة، وهو يجري في أي مجتمع صغيراً كان أو كبيراً، كأفراد وكمجتمعات، لكن مثاله الأبرز في الحاكم الذي يتخذ مال الله دولا وعباده خولا ودينه دغلا، فيحتكر المال ويمنعه عن عباده ويتخذهم عبيدا ويحكمهم باسم الدين الذي أدخل ما ليس فيه واستحدثه، وأمرهم به كدين وآية منزلة.
من هنا فإن قراءة الكتاب وما فيه من أسماء حكومات وزعماء وملوك وأمراء، هو في واقعه عبرة، فمهما شمخ الإنسان بأنفه فإن تراب القبر سيرغمه، ولهذا جاء في الحديث النبوي الشريف: «لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شيء: المرض والفقر والموت، وكلهّن فيه، وإنه معهنّ لوثّاب»، وهذه الثلاثية هي التي غيبها الشيطان عن الإنسان فغوى، عندما منّاه بالخلد وملك دائم كما أشار القرآن الكريم: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى» سورة طه: 120، ولولا هذه الثلاثي? كما يشير التميمي في المقدمة: «لا تجد للإنسان خضوعاً وانقياداً» وهو كذلك.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث