جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 08 ديسمبر 2014

الهرم المقلوب

قمت بتدريس إحدى المواد في الجامعة والتي تتطلب تشكيل لجنة من ثلاثة أعضاء هيئة تدريس لوضع الدرجات النهائية «تسمى ملف الانجازات»، حيث نقوم بأخذ المتوسط الحسابي لدرجات الثلاثة أعضاء هيئة التدريس لترصد الدرجة النهائية للطالب. وعادة لايكون هناك نسبة كبيرة من الرسوب لأنها عبارة عن تقديم تقرير من الطالب ويتم تقييمه ووضع الدرجة له من قبل اللجنة وهذا أمر طبيعي لكن غير الطبيعي في ذلك العام، هو أن تم استدعاء أحد الزملاء غير الكويتيين من اللجنة وبعدها طلب لقائي ليخبرني أن علي تغيير الدرجات ليتم رفع احدى الطالبات بعد أن?كانت راسبة. طبعا وبكل تلقائية رفضت بشدة لكن الغريب بالموضوع أن بدأ زميلي بالالحاح والبكاء لانه سوف يتم انهاء خدماته في حالة رسوب هذه الطالبة فصعقت لذلك، لماذا وصلنا الى هذا المستوى؟ لماذا أصبح الهرم مقلوباً؟ فبدلا أن يبكي الطالب لرسوبه، يبكي الاستاذ لبقاء لقمة العيش؟ لماذا بدلا أن يبكي من لا يملك الحق، يبكي صاحب الحق؟ ولماذا أصبحت الأمور تسير بالمقلوب وأصبح صاحب الحق بالنهاية هو المهزوم؟ فهذا ليس مايحدث في الجامعة والمؤسسات التعليمية فحسب لكنها أصبحت ظاهرة في جميع مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة وحتى في حيا?نا الشخصية. انقلبت الموازين وأصبح من يملك الحق هو من يخسر دوما بالنهاية، أصبح من يريد الخير هو من يلام لغبائه ويهان لضعفه في آخر المطاف، أصبحنا نخاف أن نبدي نوايانا الحقيقية أو أن نعمل الخير لأجل الخير. فدوما من يبادر بايذائك هو من أحسنت اليه، ودوما من يكسر قلبك هو من سلمته بكل صفاء نية. فلماذا وصلنا الى هذه النهايات المخيفة؟ التي يضيع فيها الحق وصاحبه لتتفشى القيم الغريبة والبعيدة كل البعد عن الانسانية النادرة. فتأملوا قليلا بالأحوال، والد يخاف من أبنائه ويهابهم، معلم يحرص على ارضاء تلاميذه بشتى الوسائل ح?ى لوكانت غيرعادلة وتتنافى مع القوانين واللوائح، وموظف يتحايل على القانون ويصبح مراسلاً لمرؤوسه حتى يحصل على ترقيات وعلاوات بدون تعب أو مؤهلات، وأخ يسرق مال أخيه بالاحتيال، وزوجة تخلص لزوج يسرقها ويرميها أو زوج يهب قلبه وروحه لزوجته لتبيعه عند أول فرصة، وأشياء يشيب لها الرأس ولا تصدقها العيون وبالنهاية نعيب على الزمن وكل العيب فينا. والغريب والمضحك في الأمر أن الجميع يدعي بالمظلومية وسخط الحياة وكأننا أبرياء لانملك حيلة من أمرنا. ويبقى السؤال من الملام؟ فالجميع يدعي القيم والأخلاق الحميدة والجميع يصلي خلف ا?امام في المسجد، والجميع يتصدق أمام الناس، والجميع يتغنى بالعدالة والصدق والنبل، فقد ضاعت المقاييس واختلط الحابل بالنابل حتى صرنا لانعرف كيف نقيم من أمامنا ولا ندرك الموازين من حولنا ومن هو صاحب الحق ومن هو سارق الحق، فمثلا نرى أفواجا تخرج الى الشارع تناشد الحكومة بحقوق المواطن ومعظمهم قد حصلوا على الترقيات بالواسطة، والبعض لايدرك عن الوظيفة غير الراتب، وآخرون يملكون مالاحق لهم فيه وآخرون وآخرون فأين هو المظلوم اذن؟ نطالب بالعدالة والظلم داخلنا يتفشى، ونصرخ لنصرة الحق ونقتل الحق بداخلنا، أشياء كثيرة من حولن? تختلط لتجعل صورة الحق مشوه وتضيع دروبها لتسود الفوضى وتنعدم القيم الانسانية التي فطر الخلق عليها، لكن الحق باق مابقى الدهر ومهما ساد الظلام وطال الليل، الفجر آت لامحالة. فرغم حلكة هذا الظلام وضياع مسالك النور لكني على يقين باصلاح وجهة هذا الهرم المقلوب.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث