جريدة الشاهد اليومية

السبت, 15 نوفمبر 2014

من أنقرة إلى داعش.. الحاجة للمصارحة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الدور المريب للسياسة التركية في المنطقة العربية، وارتبط هذا الحديث بقصص ترددها الكثير من المنابر الإعلامية في تركيا نفسها وخارجها عن علاقة «مشبوهة»،
أو تورط لتركيا بدعم ما يعرف اليوم بتنظيم «داعش». نحاول في تلك السطور القادمة أن نفكر بصوت عال حول الأسباب التي نعتقد أنها تقف خلف هذا التورط أو «التحالف» والنظر كذلك في المحددات الإستراتيجية التي سمحت بهذا التحالف، كما سنحاول التفكير في معنى وتداعيات مثل هذا التحالف على المستوى الإقليمي والدولي.
تنظر الحكومة التركية للمنطقة اليوم نظرة تختلف عن نظرتها لها في السابق، فلقد أدت أحداث ما يسمى الربيع العربي، أو الخريف العربي، كما يحلو للبعض تسميته، إلى إشاعة فراغ كبير للقوة في المنطقة، خصوصا بعد سقوط الدول الكبرى والمركزية فيها في نفق الفوضى والعنف الأهلي، لقد رأت تركيا في هذا التوقيت لحظة رائعة لتشديد زخم قوتها في المنطقة في محاولة لملء هذا الفراغ. لقد كانت بداية الأحداث في سورية هي الورقة التي دفعت تركيا للتورط مع تنظيم داعش وبعض الفصائل الإرهابية الأخرى. لقد أشارت معظم التقارير القادمة من سورية إلى ت?رط تركيا منذ الأيام الأولى للأزمة السورية، فلقد كان هناك تهاون متعمد في حفظ الأمن على الحدود مع سورية وهو الأمر الذي سهل «للمجاهدين» المتطرفين الدخول للأراضي السورية، وتسهيل مرور الأسلحة لهم، ناهيك عن تقارير نشرتها الصحافة التركية نفسها عن وجود قرابة 3000 مقاتل تركي في صفوف داعش.
الأمر الآخر الذي أدى لتدخل الأتراك في سورية كان البعبع التاريخي الكردي، فلقد أشارت الكثير من التقارير إلى وقوف المدفعية والدبابات التركية مع داعش في قصف المناطق الكردية، كما تم إلقاء القبض على مقاتلين أتراك منضمين لصفوف داعش من قبل الأكراد.
أهداف تركيا التي دفعتها للتورط مع تنظيم إرهابي بشع كداعش، على المستوى الاستراتيجي، لم تتحقق على الإطلاق. فالنظام السوري أصبح اليوم أكثر صلابة وقواته على الأرض اكتسبت خبرة كبيرة في التعامل مع هذه العصابات الإرهابية، أما كردستان اليوم فلا يمكن لأحد أن يقلل من أهميتها في المنطقة كلاعب مهم في السياسة الإقليمية وخاصة بعد سيطرتها على النفط والبدء بتصديره.
إن تحالف السياسة التركية الأخيرة مع التنظيمات الإرهابية قد أعطانا صورة قريبة من تلك التي مرت بها بعض دول المنطقة في السابق، فبعد التحالف مع الشيطان يعود هذا الشيطان ليخيف ويرهب حلفاءه أنفسهم. هذا تحديدا ما حدث مع كل دول المنطقة التي دعمت الإرهاب في كل بقاع الأرض. على الرغم من تحالف تركيا مع التنظيم الإرهابي (داعش) إلا أن تركيا لم تزل في جهل كبير لما يمكن أن يعنيه هذا التحالف مع الشيطان؛ ما زالت القيادة التركية جاهلة أنها قد تكون مستهدفة من قبل هذا النظام الإرهابي ذاته. أنا لا أحاول أن أتذكر هنا محاصرة الدب?وماسيين الأتراك في الموصل لفترة طويلة من قبل داعش، ثم بعد ذلك تسليمهم لأنقرة في عملية هي الأكثر غموضاً من نوعها، إذ اشتركت مجموعات إرهابية أخرى كوسيط في هذا التسليم الغامض، وهو الأمر الذي قد يعطينا مبدأ يمكننا من خلاله فهم الامتدادات التركية مع هذه الجماعات. قد يكون ذلك سببا وجيها لتهرب الرئيس التركي عند سؤاله دوما عن الكيفية التي تمت بها هذه الصفقة المشبوهة.
اليوم تدفع تركيا الثمن باهظاً، فهؤلاء الذين دعمتهم بالأمس يخرجون اليوم ليتهموا الحكومة التركية بالكفر! والحال أن في تركيا كل الصفات التي قد تجعل منها هدفا جيدا لعمليات داعش، فتركيا دولة من حيث المبدأ لا تطبق قوانين الشريعة وبالتالي فهي ليست دولة إسلامية بالمعنى الذي تقبله داعش، من ناحية أخرى فإن تركيا لها تحالفاتها الكبيرة مع أميركا وليست الدروع الصاروخية الأميركية وصواريخ الباتريوت على الأراضي التركية إلا دليلا واضحا على هذا التحالف، لا ننسى أيضا أن تركيا هي عضو في الناتو وهي المنظمة التي قد شنت حروبا على?ثلاث دول إسلامية.
لا يمكن لنا إلا أن نتفق مع المعارضة التركية التي وجهت سهام انتقاداتها لسياسة أردوغان في المنطقة، فداعش لا يمكن أن تكون حليفا على الإطلاق. أما أردوغان فعليه التخلي عن حلمه أو وهمه الإمبراطوري الذي يتلخص في سقوط أنظمة عربية لتحل محلها حكومات الإخوان المسلمين سواء كان ذلك في دمشق أم في مصر أو أي مكان آخر. لقد كشفت السياسات التركية في السنوات الأخيرة تحركها في خدمة المخطط الصهيو-أميركي والذي يهدف لزعزعة الاستقرار في الوطن العربي وقلب الأنظمة القائمة بل وتفكيك هذه الدول إلى كيانات متشرذمة وصغيرة، ولا ندري إن كا?ت هذه الخدمة بقصد أم دون قصد. ونحن هنا بالطبع لم نتطرق للخسارة الاقتصادية التي منيت بها تركيا كنتيجة لهذه السياسات التي تقودها أوهام زعامات تاريخية بائدة، فالتجارة الكبيرة بين سورية وتركيا قد توقفت منذ الأيام الأولى للأزمة السورية وما زال الأتراك يدفعون الثمن، بل والسوريون قبلهم.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث