جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 04 نوفمبر 2014

أغراض الكفارات

لا شك أن الكفارة تدخل في جزئيات سعادة الانسان في الدارين، وان بدا أن في الطريق عقوبة أو فدية أو غرامة، فهي تردع المذنب عن العودة الى مثل الذنب القديم وتخلق في نفسه قوة الردع الذاتي لاسيما وأن الكفارة بقدر الذنب، كلما كان كبيراً ارتفعت الفدية والغرامة، وهذا ما يجعله أكثر حذراً من الوقوع في الزلل، وحسبما يعبّر الفقيه الكرباسي: «ان حركة دفع الكفّارات- الغرامات- تولّد في المجتمع حالة من المناعة من العمل الفوضوي وتُصلح المجتمع، لأن المجتمع الصالح ذلك المجتمع الذي يدرك الأخطاء ويتفاداها».
ولعلّ من أهم أغراض الكفارة ومقاصدها شد لحمة المجتمع وتقوية شبكة علاقاته، وخلق مجتمع سليم قادر على تحمل مسؤولياته تجاه نفسه والمجتمعات الأخرى، لاسيما وأن الشرع الاسلامي وجّه بوصلة الكفارات باتجاه قلب المجتمع نفسه، عندما طالب المذنب بتحرير الرقبة أو اطعام الفقراء واكسائهم أو التصدق وأمثال ذلك، وبتعبير الفقيه الكرباسي انها: «تعد من الموارد الاقتصادية للدولة أو المؤسسات الاجتماعية، وهي كفيلة لتحمّل جزء كبير من العجز الاقتصادي الذي تشكله الشريحة التي تعيش تحت خط الفقر، ففي هذه الحالة نجد أن الكفارة لها تأثير اص?احي في نفس وسلوك المذنب، ومن جهة أخرى فان فيها اصلاحاً للحياة الاقتصادية بل والحركة الاقتصادية بشكل عام». وحيث كان سوق العبيد عامراً قبل الاسلام بسبب الحروب، فان الكفارات هي واحدة من السبل الظريفة التي أوجدها الشرع للقضاء على سوق النخاسة.
واذا كانت مرحلة العبيد قد أنهاها الاسلام بتشريعاته الحكيمة، فان الكفارات كذلك تدخل عاملا كبيرا للقضاء على الفقر الملازم للبشرية مادامت هناك نفوس جشعة تحتكر وتغتني على حساب الآخر، ومادامت هناك أياد ظاهرة وأخرى خفية تشعل الحروب هنا وهناك، ومادامت هناك حكومات تخلق سياساتها العامة الفجوة العميقة بين الغني والفقير، فالفقر كان ولازال آفة كل عصر ومصر، والكفارات واحدة من الأوجه السليمة لمواجهة هذا المرض الاجتماعي، وقد أولاه الشرع الاسلامي أهمية كبرى، فجعل ذبح الأنعام واطعام الفقراء جزء من الكفارة التي قرنها بالعبا?ة، ولذلك لا يتحقق الاطعام الا بالنية الصادقة والقربة الى رب الفقراء.
 واشترط فيه أموراً كثيرة منها: اشباع الفقير ولذلك يقول الفقيه الكرباسي: «لا يجُزي الاطعام عن الكفّارة اذا لم يُشبع بشكل عُرفي»، ولابد أن يكون عن طيب خاطر بلا منّة ولا أذى ولا سمعة ولا رياء، ولهذا: «اذا أطعم الفقراء رياءً لا يكفيه عن الكفّارة»، الا لغرض أسمى كما يعلّق الفقيه الغديري وهو: «اذا كان اظهاره وتبليغه واعلانه بقصد الترويج لطاعة الله وارشاد الآخرين نصيحةً وهدايةً فيكون له الأجر والثواب شرط أن يكون خالصاً لمرضاة الله». بل وعمد الشرع الى احترام الفقير من خلال دعوة المكفّر صاحب الطعام الى الامساك عن أ?باره عن الغرض من الاطعام، اذ: «لا يجب اخبار الفقير بأنه أطعمه لأجل الكفّارة»، وبتعبير المعلق: «بل وقد يُستحب اخفاء ذلك عنهم حفظاً لحرمتهم، وقد يُحرم ذلك اذا كان يوجب الاهانة في حقِّهم»، وأن لا يكون المكفّر ضنيناً بالطعام ونوعه، ولهذا كما يشير الكرباسي: «يُستحب أن يُطعم الفقير مما يأكله وعائلته»، كما: «يجوز أن يسلّم الطعام الى المحتاج ولا حاجة الى اطعامه»، فالغرض من الاطعام هو احترام الفقير وادخال السرور على قلبه والرفع قدر الامكان مما هو فيه واشعاره بقوة شبكة العلاقات الاجتماعية، وهذا التراحم في واقعه يزيد?من العطاء والخير من حيث يحتسب الانسان أو لا يحتسب، ويقلل بشكل كبير من الأمراض الاجتماعية والنفسية.
اذن فالكفارة عن اقتراف الخطأ أو ترك ما ينبغي فعله، ليست مدعاة لغفران الذنوب فحسب، فأبعادها الاقتصادية والاجتماعية هي المنشودة في الشرع الاسلامي، وقد التفتت المحاكم الغربية الى هذا الأمر، فعمدت في بعض الجنح الى استبدال السجن بالغرامة المالية أو الخدمة الاجتماعية، أو كلتاهما معاً فيأمر القاضي المذنب على سبيل المثال، بالعمل لمائة ساعة أو أكثر أو أقل، في مؤسسة اجتماعية أو خيرية أو دار للمسنين أو الأيتام أو المشردين وأمثالها، أي التكفير عن الذنب بالعطاء المادي أو بالعمل الاجتماعي.
وفي اعتقادي أن المرء، من ذكر أو أنثى، عليه أن يطلع على موارد الكفارات من أجل تلافي اقتراف الذنب والخطأ، فهناك ممارسات غير سليمة تُمارس دون أن يدرك المرء خطأها، وتلزمه الكفارة لرفع تبعاتها، تبدأ من فراش الزوجية ولا تنتهي عند عتبة الدار، وكتيب شريعة الكفارات يشير الى موارد الكفارات، والوقوف عليها يغني المرء عن الوقوع في وحل الأخطاء والزلات.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث