جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 03 نوفمبر 2014

غسيل مخ

يطلق البعض على من فاق حدود التعصب، والتطرف الفكري، وركل بقدميه الإنسانية، ودنس الأرض بدمائها، وداس عليها وهو مبتسم ويشعر بالانتصار والفخر، ويلوّح ويتوعد بالمزيد من الأفعال غير السوية ليحقق أهدافه أنه تعرض لعملية غسيل مخ. 
شكّل مصطلح غسيل مخ  جدلاً كبيراً بين علماء النفس والأعصاب فهناك من يقر به وهناك من يرفضه، فمصطلح غسيل عادة يستخدم  للأشياء التي تتعرض للعوامل الخارجية الضارة ونضطر لغسلها. مثال على ذلك  أيدينا، ملابسنا، منازلنا، وكذلك سائر الأشياء التي تتسخ نتيجة احتكاكها بعوامل خارجية مضرة، وقد استخدم الطب عملية غسيل الكلى لتعرضها لمواد كيميائية تضر بها ما يؤدي إلى توقفها عن العمل، ولا يمنع أن المخ يتعرض لعوامل خارجية وداخلية تؤثر فيه فثقافة المجتمع «الدينية، والفكرية، والعرفية، والتعليمية» جميعها عوامل خارجية، أما التغير?ت الفسيولوجية والعاطفية والوراثية فهي عوامل داخلية، ولكن هل بالفعل هناك عملية غسيل مخ؟ 
  إن أول من استخدم مصطلح «غسيل مخ» الصحافي الأميركي ادوارد هنتر، ولكن أصل المصطلح هو « إصلاح الفكر » حيث وجد أثناء بحثه أن الصينيين يعتقدون أن الأفراد الذين لم يتعلموا في مجتمع شيوعي قد تكون لديهم أفكار برجوازية تؤثر سلبا على المجتمع وتماسكه.ويجب إعادة تأهيلهم قبل أن ينتشر فكرهم في المجتمع ليتمكنوا بعد ذلك من الانخراط في المجتمع وأخذ أدوارهم فيه. واختلفت طريقة الإصلاح لديهم فمنها الإقناع عن طريق الحوار لمن لديه استعداد، ومنها الإجبار عن طريق  التعذيب لمن يرفض الحوار، والمبدأ الذي انطلقوا منه للتأهيل أو لإص?اح الفكر هو التغيير، ولكن ما نوع هذا التغيير؟
  اقتبس الصينيون فكرة بافلوف في الفعل الشرطي المنعكس وهو القيام بسلوك معين نتيجة لمؤثرات خارجية، لذلك اهتموا  بتغيير بيئة الإنسان التي بدورها تساعد على تغيير طبيعته الذاتية. حيث وجدوا أنه من الصعب اقتلاع الأفكار والمعتقدات من الإنسان وتأكدوا أن نشر ثقافة وزرعها في عقل الإنسان لن يتم إلا عن طريق تغيير البيئة.ووجدوا أن هذه الطريقة تنفع مع الشخصيات غير السوية كالبرجوازيين، لنتوقف لحظة لنعرف ماذا نعني بشخصيات سوية وغير سوية. 
تعددت التعريفات لهذه الشخصيات ولكني سأكتفي بوجهة نظر فرويد في تعريفه للشخصية السوية،والتي انطلقت منها باقي التعريفات،  ففرويد يرى أن الشخص السوي هو القادر على الحب والعمل، والحب كما يراه يبدأ بحب الأشياء ويتطور فيشمل الأشخاص والموضوعات والأفكار والوطن والتناسل، والحب دافع قوي للعمل. أما الشخصية غير السوية فمن الناحية النفسية هي انحراف السلوك عن القاعدة العامة للسلوك والذي يتمثل بالكراهية. وبناء على ذلك تتكون لدينا شخصية غير اجتماعية سلوكها يخالف القواعد العامة للمجتمع فالكره طريقا للحقد،وللتعصب ولإنكار الآ?ر والتعالي المفرط فيه وعدم التعاون والغل وبعض الأحيان التقوقع أو العدائية.إذا يجب أن نتفق أنه لا يوجد هناك ما يسمى غسيل مخ وكل ما هنالك إصلاح فكر. ولكن لماذا يجب علينا أن نتفق؟ 
لأننا أصبحنا نتخذ من مصطلح غسيل مخ شماعة نعلق عليها أخطاءنا، ونبرر من خلاله إهمالنا وعجزنا عن إصلاح الاعوجاج الفكري الذي تمكن وتأصل وترسخ في بعض الأفراد من مجتمعنا العربي والذي أثر علينا سلبا. ولم نتساءل ما هي طبيعة الشخصية التي تحتاج لإصلاح فكرها؟ وكيف وصل هؤلاء لمرحلة العداء المجتمعي؟ ومن المستفيد من وجودهم؟ 
فنحن كل ما نقوم به حاليا رفضهم واستنكار أفعالهم ومحاربتهم، وهو استنفاد لطاقة ليس في محلها،وتناسينا أننا تركناهم لقمة سائغة في يد المتربصين بنا حيث اعدوا لهم بيئة تتناسب مع طبيعتهم غير السوية ليزدادوا كرها لمجتمعاتهم وأصبحوا يشكلون خطرا عليها. ولم نحاول منذ البداية الاهتمام بهم وإصلاح فكرهم  لذلك يجب علينا إعادة النظر في توجيه طاقاتنا ومواردنا بالحفاظ أولا على الأسوياء وحمايتهم وتأمين بيئة الحب والعمل التي تتناسب مع شخصياتهم للحفاظ على ما تبقى لنا من أسوياء، وإصلاح الاعوجاج الفكري عند الفئة غير السوية أو مع?قبتهم في حال رفضهم الانسجام مع مجتمعاتهم.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث