جريدة الشاهد اليومية

السبت, 01 نوفمبر 2014

الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في تشريع الكفارات

عند مقابلة قوله تعالى: «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً» مع بقية الآية نفسها في قوله تعالى:  «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً» المائدة: 32، نجد أن كلمة القتل تقابل الإحياء، والقاسم المشترك بين نصي متن الآية الكريمة هو نفس الإنسان المعادل لـلناس جميعا في القتل والإحياء، وهذه المقابلة تقدم دليلاً قاطعاً أن النفس الإنسانية لها قيمة تعادل قيمة الناس جميعاً، والتعامل معها في السلب والإيجاب هو تعامل مع البشرية كلها، وعند?ا يقرر رب الخلق هذه المعادلة الخطيرة، فإنه تعالى يضع للإنسان خصوصية في هذا الكون تتمحور حول حياته ذاتها واحيائها في الخير لا في الشر، فسبحانه وتعالى يريد، في الدارين، حياة الإنسان لا موته ولا عذابه.
ولأن حياة الإنسان مسرح تتفاعل على خشبتها قيم الخير والشر، فإن الخطأ أمر وارد مهما بلغ الإنسان من الإيمان والتقوى مرتبة إلا المعصوم، ولأن الحياة الدنيا دار ممر الى دار مقر، فإن تعاليم الإسلام تنحو نحو الإستفادة منها وزرعها بالخير حتى يحصد الزارع ثمارها في جنة الخلد وملك لا يبلى، ولمن أخطأ مع نفسه جعل الإستغفار باباً للدخول الى رحمة الله، ولمن أخطأ مع الغير بنحو من الأنحاء جعل الاستغفار دليله الى جانب افراغ ذمته من الآخر حسب نوع الخطأ أو الجنحة، سعياً وراء تطهير نفسه من الذنب في الحياة الدنيا عبر الاستغفار ا?قولي، أو الفعلي بدفع الفدية أو الكفارة بمفهوم الشرع الإسلامي.
الفقيه الشيخ محمد صادق، كما عودّنا في سلسلة الشريعة، يوقفنا في كتيب شريعة الكفارات الصادر في بيروت حديثا 2014م، على الكفارات التي ينبغي للإنسان أن يؤديها من أجل التكفير عن ذنوبه في الحياة الدنيا حتى يذهب الى قبره وربه سليم السريرة مستفرغاً للذمة من أية تبعة، وهي مسائل شرعية ومدنية معاً ينبغي للإنسان الإطلاع عليها ليس فقط من أجل معرفة الكفارات وأنواعها وأقيامها، وإنما الاطلاع على الحالات التي تستوجب الكفارة والفدية في سبيل تجنب الوقوع في مزالقها، فهناك عدد من الممارسات الخاطئة التي يستقلها المرء ويستصغرها، ?هي بحاجة الى مسحها من سجلِّه وكتابه، وقد أفرد الفقيه الكرباسي 159 مسألة شرعية مع تمهيد يضع فيه النقاط على الحروف، إلى جانب مقدمة و27 تعليقة أوردها الفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري.
للكفارة وجهان يبدوان على تضاد، وإذا أمعنا النظر فيهما، نجد التداخل بينهما المؤدي الى فائدة الإنسان المذنب نفسه، والتعريف دال على ذلك، فالكفارة اسم للتكفير بمعنى الستر، ويضيف الفقيه الكرباسي: فقولهم كفّر عن ذنوبه أي سترها بأمر ما، قد يكون بالتوبة
أو بالصوم أو ما شابه ذلك، وبتعبير المتشرعة: مجازاة عمّا ارتكبه المكلَّف من قول أو فعل غير محبوب لدى الله جل وعلا، وبشكل أخص: هي مجازات وغفران عن ارتكاب ما لا ينبغي فعله أو تركه فهي تشمل ترك ما حقه الفعل وفعل ما حقه الترك.
فالذنب من حيث هو ذنب متعلق برقبة المذنب، ولكن متعلقاته تتجاوز المذنب نفسه، فلها: أربعة حقوق: حق الله، وحق النفس، وحق الناس، والحق العام، وأقلّ الذنوب ما تعلق بها حقّان: حق الإنسان نفسه، وحق الله، ومثال الأول جريمة القتل ومثال الثاني ترك الصلاة، وقد يتعلق بالذنب ثلاثة حقوق ومثاله الزنى في الخفاء الذي فيه ظلم للنفس حق النفس، وتعد على حق الآخر حق الناس، وتعد على حرمات الله حق الله الذي لا تخفى عليه خافية، على أن حق الناس مقدم على حق الله، بل انه رهن تحقق الحق الأول، فلا يسقط حق الله حتى يُسقط المذنب حق الناس،?فلو أدى الإنسان ما عليه من الحق تجاه الآخر فتح لنفسه باب التوبة والغفران، ولا تراتبية بين حق الناس والحق العام كما يؤكد الفقيه الكرباسي فأيهما نفذ انتهى منه.
ولا يخفى أن الكفارات درجات وهي تبع للذنب، فذنب كفارته الغفران وآخر حقه عتق رقبة وثالث حقه الصوم ورابع حق اطعام المساكين، وخامس الإكساء أو التصدق، وبشكل عام فإن الكفارات على ثلاث صور: مرتبة ومخيّرة والجمع، فالكفارة المرتبية هي: الكفارة المعيّنة، فإن عجز عن القيام بها انتقل الى غيرها وهكذا والكفارة المخيّرة: هي الكفارة التي يُخيّر المكلّف بين عيّنات مختلفة، وكفارة الجمع: هي الكفارة التي يتعين على المكفِّر أن يقوم بها جمعيها، ومدار الكفارات الثلاث هو تحرير رقبة وصيام ستين يوماً وإطعام ستين فقيراً، وقد تكون ال?فّارة المعيّنة: لا هي مخيّرة ولا مرتّبة ولا هي من الجمع بل يجب الاتيان بها حصراً.
وتقوم الكفارة على أربعة أركان: المكفِّر الشخص الذي فعل أو ترك ما يوجب الكفارة، ويشترط فيه: البلوغ والعقل والعقيدة والقصد والعلم. والمكفَّر عنه الذنوب التي تستوجب مجازاة الإنسان عليها، والتكفير عملية التزام المكلَّف بالعمل على مقتضى الكفّارة ويشترط فيه النية والقربة. والكفارة المادة التي يكفّر بها المذنب كتحرير رقبة أو الصوم أو الإطعام أو الأكساء أو الصدقة، وفي جميعها يقتضي النية والقربة، وبهذا تكون الكفارة هي العبادة بذاتها، فكما تحتاج الصلاة أو الصوم أو الحج الى نية وقربة، فإن الكفارة من لوازمها النية وال?ربة، ولا تتحقق بدونهما حتى وإن اعتق المكفّر الرقاب وصام وأطعم، فكما لا تقبل الصلاة من غير نية وقربة لا يسقط الحق في الكفارة من دونهما، وبتعبير المعلق الفقيه الغديري: ففي كل واحدة من الكفّارات جهتان، جهة مادية وجهة معنوية ولكن الأساس في الجهتين هو توجه العبد الى طاعة الله وترك معصيته، والتجنّب عن كل ما فيه سخطه، ومع تعدد فوائد الكفارة كما يضيف الشيخ الغديري، فهي: تنتهي الى جذب العبد المذنب الى طاعة الله سبحانه وتعالى وسوقه الى ما يرضيه من الأعمال المقرّبة إليه جلّ شأنه.


 

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث