جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 24 سبتمبر 2014

صندوق اليقين

اليقين ما ألذها من مفردة، وما اسهل الامساك بها على ارض الواقع كل يدعي انه على حق، وغيره على باطل، كل يدعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقر له بذاك «وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء كل يستقي من الكتب السماوية ما يوافق قناعاته، وما يصب في مصلحته، ويا ويلك اذا عارضت او شككت، فالتهم معلبة جاهزة، ستفلق بها هامتك، وكأنهم اغفلوا الآية الكريمة التي تقول: «ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» البقرة 62.

اليقين الديني هو صندوق مغلق بالقناعات، وهو سبب المشاكل، سبب الحروب، سبب الكوارث الاجتماعية، والتاريخية، والقناعات لا تناقش عند الانسان يا صديقي القارئ.

من قال ان الغرب خرج من بربريته، وهمجيته الى رحاب الانسانية؟ كل ما هناك ان القانون سيج غرائزهم، ونزعتهم في الانتقام، واقصاء المختلف، فالاصل هو الظلمة والشر في الانسان، وليس النور والخير، الأصل هو التدافع الاجتماعي والديني، وليس التساهل والتسامح، لو يتم رفع قانون العنصرية والدينية في الغرب، لرأيت الحروب والمجازر باسم الدين «ربنا تقبل منا هذا القربان»، خذ على سبيل المثال، المقاتلين من فرنسا وبريطانيا، واستراليا، وغيرهم في صفوف الارهاب في سورية والعراق، اتساءل بين نفسي: ما الذي يجعل انساناً يعيش في دولة متقدمة، تنتج الصناعة والحضارة، والرفاه الاجتماعي ليتركها ويذهب الى جحيم الحرب حيث وابل الرصاص، ودوي الطائرات، ورائحة البارود، ولزوجة الدم؟ يبدو انها معادلة طردية، فكلما ازداد اليقين الديني ازداد معه توحش الانسان وازدادت شراسته ضد اخيه الانسان، وكلما خفض من يقينه، كان اكثر تسامحاً وتقبلاً للاخر.

اليقين يعني التخمة والشبع من الحقيقة يعني عدم ترك نافذة لجوع الشك، فليس بالامكان افضل مما هو كائن وحين يصل الانسان الى هذه المرحلة فهو يريد اجبار غيره ممن يخالفه الرأي، واخضاعه اما بالاكراه او القوة، للنزول عند يقينه، والا فهو محل ازدراء في اضعاف الحالات، ولن يرضى عنك حتى تتبع ملته، ويقينه.

من أين يأتي اليقين؟

لو تأملنا الكتب السماوية على سبيل المثال، نجدها لم تستخدم الاصطلاحات المعقدة، التي تنفر منها النفس الانسانية بالفطرة، بل اتت على شكل مواعظ وارشاد، وقصص تاريخية، وعبر تشويقية ترتاح لها النفس، ومشحونة بالمجاز، والصور البلاغية والمعجزات الربانية فهي تراعي العقل الجمعي والشعور النفسي لتلك المجتمعات البدائية التي اكبر همها الزراعة، والتجارة وبعض الصناعات، يقول المفكر ول ديورانت في كتابه قصة الفلسفة: «ان الكتاب المنزل لا يستهدف مخاطبة العقل واقناعه، بل جذب الخيال والسيطرة عليه، من اجل ذلك يكثر فيه ذكر المعجزات وتكرار مظاهر الله، لان البيانات الرصينة الحرفية لا تستهوي مشاعر الناس، ولا تحرك نفوسهم، اذ لا يحرك نفوس الناس، ويدفعها الى الايمان، والعبادة والتصديق اكثر من المعجزات، التي تحرك خيالها وعواطفها».

اذن من هنا ابتدأ اليقين ومن هنا سار الى يومنا هذا، عبر توارث الاجيال فالجيل السابق ابتدأ من الشك وانتهى باليقين عبر تصديق الرسل، وبما جاء في الكتب في حين ان الجيل اللاحق ابتدأ من اليقين وانتهى اليه، وبعضهم انتهى به المطاف الى الشك، ومن ثم الالحاد، وبعضهم ظل متأرجحاً حتى وصل الى اللا أدرية.

لليقين ثلاث مراتب، كما فصلوها في محلها. اولها: علم اليقين، وهو على سبيل المثال رؤية النور من بعيد، وثانيها: عين اليقين، وهو الاقتراب اكثر من ذلك النور ومحاولة معرفة مصدر النور، وثالثها: حق اليقين، وهو زوال الشبهة والشك، والقبض على مصدر النور، وهو اخطر الحقائق.

التطرف يغذيه اليقين، وكلما اوغل الانسان في يقينه، اوغل في تطرفه، وارهابه واقصائه، وحق اليقين لا يعني مطابقة الواقع، فالكرة الارضية نراها مسطحة، وهو حق اليقين لو اخذنا جزءاً منها وبنينا عليها قناعتنا ويقيننا، في حين هي كروية الشكل في كليتها، اذن اختلاف اليقين يأتي من اختلاف النظرة وليس المنظور، وما ينقصنا جرعة بسيطة من الشك - وليس الشك المطلق المرضي، المبالغ فيه الذي يؤدي الى الجنون والهوس - شك نظيف نضعه على يقينيات العنف، المنبثقة من ظلمة التاريخ والموروث الديني، كي تفتح لنا نوافذ التسامح.

الأخير من ناصر الحسن

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث