جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 15 سبتمبر 2014

سر التسامح

جميع الأديان السماوية وغير السماوية تدعو إلى التسامح، فالتسامح أسمى ما في الوجود، ويضيف سعادة للوجود لا مثيل لها، وهو فضيلة نقضي بها على رذائل كثيرة. يكمن سر التسامح في إيمان الإنسان بأنه كائن غير كامل وأن الخطأ مسألة حتمية في الطبيعة البشرية. وهذا الإيمان يساعد على بناء شخصية ردود أفعالها لا تبنى على الأسباب وإنما تبنى على المبررات التي تسعى لإتاحة الفرصة للآخرين لمراجعة أخطائهم.

فإذا أردت أن تكون متسامحا مع الآخرين فلا تسأل عن السبب وابحث عن مبرر، فالأخطاء يحملها الجميع في طيات شخصياتهم، والقليل منهم من يضع في اعتباره أنه سيرتكب يوما ما نفس خطئك. التسامح صفة توجد فقط عند من يؤمن بأن الإنسان خطاء. ولكن يجب أن ننتبه فالتسامح ليس حقا للإنسان ليطالب به، وليس واجبا عليه يجب أن يؤديه . ففضيلة التسامح تكمن في أنها استحقاق، والإفراط فيها قد يدخلنا في طريق معبد بالرذائل.

وقد يكون  الشاعر الاميركي روبرت فروست على حق عندما قال: «لا يمكن لشيء أن يجعل الظالم عادلا إلا التسامح». وكذلك المناضل نيلسون منديلا على حق عندما نوه إلى أن التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل».وقد أشارت الروائية ماري آن إيفانس التي اشتهرت بانجلترا باسم جورج إليوت الى أن مسؤولية التسامح تقع على من لديهم أفق أوسع، وهي بالطبع تعني أن مسؤولة التسامح محدودة ،فسعة الأفق يتمتع بها مجموعة من البشر.ولو أن الجميع يتمتعون بسعة الأفق وعلى مستوى واحد ما اضطررنا لصياغة القانون الوضعي وأن نلجأ إليه وقت الحاجة.

أما الكاتب الانجليزي جي كيه شسترتون قال: التسامح فضيلة من لا يملك قناعات راسخة. ورغم إيماني بأن التسامح قناعة فاضلة، ومبدأ فاضل يتخذه الإنسان الفاضل، ويقوم من خلاله بفعل فاضل، ليحصد غالبا رد فعل فاضل. إلا أنه أحيانا قد يجر المجتمع إلى الفوضى لا إلى المحبة والتآخي . فالإفراط فيه قد يدخلنا في طريق معبد بالرذائل، ولكن كيف يتم ذلك؟

ذكرت في مقال سابق أن التسامح لا يعني عدم تطبيق القانون، ولا يعني السماح بما ينتهك حرمة المجتمع، ولا يعني خصخصة الحق العام،واليوم نضيف أن التسامح لا يعني نسيان الفعل، ولا يعني عدم تنبيه الآخرين الى عدم تكراره، فكثرة التغاضي عن الأخطاء تولد شخصيات لا سوية، وهو لا يعني أيضا عدم اهتمامنا أو تأثرنا بالنتائج السلبية للفعل، فطاقة التحمل عند الإنسان لها حدود قد تفيض انتقاما، ولا يعني أنه يجعل المخطئ مصيبا، ولا يحوّل المذنب إلى بريء، ولا يسلب حقاً، ولا ينصف ظالماً فجميع هذه الأمور لا تحقق العدل في المجتمع . ولا يعقل أن الفضائل تتصارع بل هي تتسابق في الظهور وليس من المنطق أن ينتج عن الفضيلة رذيلة ـ وإن نتجت رذيلة فستجد من يحاربها ـ والأكيد أن التضحية بفضيلة من أجل فضيلة أخرى هو رذيلة.

التسامح لا يعني التعاطف وإنما يعني استمرار المعاملة الأخلاقية الحسنة لغرض التوجيه، والتنويه، والتنوير، وهو يحتاج إلى بصيرة لتحديد ما إذا كان الفاعل يستحق التسامح أم لا . التسامح وإن كان فضيلة إلا أنه يجب على الإنسان أن يمارسه مع من هو جدير به ويستحقه.فالتسامح استحقاق قبل كل شيء.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث