جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 08 سبتمبر 2014

خصخصة الحق العام

سنعالج اليوم قضيتين أثارتا الشارع الكويتي تحت بند الحق العام. ومن خلال تلك المعالجة سيظهر لنا مفهوم «الحق العام»، ولنعتبرها محاولة لمنع من تسول له نفسه المراوغة أو التبرير للتنازل عن الحق العام. سنبدأ بهذا السؤال : ما الحق العام؟ لإجابة هذا السؤال، نحن بحاجة لمعرفة ماذا نعني بالعام؟ ومن الذي يحدد الحق هنا؟ ومن له الحق بالمطالبة به؟ لنصل في النهاية إلى نتيجة مهمة جدا وهي من هو المخول بإقرار الحق العام أو استبعاده، أي أننا بحاجة إلى شرح أربع نقاط لنجيب على سؤال ما هو الحق العام ؟

بداية يقصد بالعام المجتمع،  فإذا ارتكب شخص فعلا يخالف القانون ضد شخص آخر ، وكان هذا الفعل له تأثير سلبي مباشر على المجتمع ، يصبح من حق المجتمع المطالبة بتطبيق القانون ، ولا يحق للمجني عليه التنازل عن هذا الحق لأنه انتقل من الخاص إلى العام ، وجل ما يمكنه فعله هو أن يتنازل عن حقه الخاص في التعويض المادي أو المعنوي . قد يقول البعض هنا إن الفعل حدث بين شخصين فقط ، فلماذا نقحم المجتمع في قضية بين طرفين. وللرد عليهم، دعونا نناقش قضية أثارت الشارع الكويتي وهي طعن الفتاة البالغة من العمر22عاماً لوالدها بأربع طعنات ، ثم تنازل بعدها الأب عن القضية . بالفعل لقد حدثت الجريمة بين طرفين: والد وابنته، ولكن تعدى الفعل الحق الخاص.  فلنفترض أن مشاعر الأبوة منعته من إبلاغ الجهات المختصة، وذهب الأب إلى المستشفى ليعالج نفسه واصطدم هناك بإجراءات قانونية بعد تشخيص الأطباء لحالته حيث تم اكتشاف أن حالته لا تندرج تحت الحادث الطبيعي وإنما الإجرامي ويجب أن تسجل قضية لأنها حالة طعن وليست حالة عارضة . هنا تتحول القضية من شخصين إلى قضية مجتمع حيث خرجت من طرفين ودخل فيها طرف ثالث ألا وهو أحد مؤسسات الدولة :المستشفى، ووصلت بعد ذلك  إلى مسامع الجميع وأخذ بعض أفراد المجتمع يتساءلون: هل كانت الفتاة في حالة دفاع عن النفس إثر محاولة اغتصاب والدها لها؟ في هذه الحالة يجب الوقوف معها ومعاقبة الأب. أم هل كانت الفتاة تتعاطى بعض أنواع المخدرات، لذا فعلت ما فعلت؟ في هذه الحالة يجب أن نطالب بالتحقيق معها لمعرفة من يروج هذه الحبوب، ليتم القبض على الجناة ومنع انتشار المخدرات كي لا تطل أبناءنا، هذا بالإضافة إلى وجوب عقابها لتعاطيها الممنوعات. أو لربما كانت الفتاة مريضة نفسيًا؟ ونحن هنا يجب أن نتوجه باللوم للجهات المختصة أي لمستشفى الطب النفسي ، لمعاقبة أصحاب الاختصاص الذين لم يقوموا بواجبهم على أكمل وجه ، والمطالبة بدراسة جديدة لإيجاد العلاج المناسب لمثل هذه الأمراض النفسية التي ينتج عنها أفعال إجرامية، وذلك للحد منها أو لمتابعتها بشكل مستمر لمنع أي من هذه الجرائم.

يتضح لنا من الحالة السابقة أن المجتمع لم يطالب بحق الأب (الخاص) لأنه تنازل عن القضية. كما يتضح أن الحالة أجابت أيضا على سؤال من الذي يحدد الحق العام؟ فالدولة عندما تفرض قانونًا تمنع المستشفيات بمقتضاه علاج أي حالة مشتبه بها، وتشترط التحقيق فيها لمعرفة ما إذا كانت الحالة جراء حادث عارض أو حادث مقصود، فهي بذلك تحدد انتقال الحق الخاص إلى حقٍ عام، تعلن عنه، وتطبق عليه الإجراءات اللازمة.  ويظهر دور المجتمع هنا بتكوين رأي عام عن هذه القضية، فيرفض الفعل، ويطالب بتطبيق القانون خوفا وخشية من تحول هذه الحالة إلى ظاهرة تفتك بالمجتمع. أما إقرار الحق العام أو استبعاده فهو - وإن كان بيد ولي الأمر - إلا أنه يضع أولوية للرأي العام. فحق المجتمع أولى من حق أصحاب القضية، حتى وإن تنازل المجني عليه عن حقوقه المادية أو المعنوية.

إذًا الحق العام هو حق المجتمع ،وهو حق يحدده قانون المجتمع، ويطالب به أفراده، وتقره السلطة المخولة بذلك بناء على توجه المجتمع . ورغم هذا المفهوم الواضح إلا أن هناك من يراوغ ويستخدم بعض الأساليب المحرجة ويتغنى بمبدأ التسامح ويتساءل : أليس لمبدأ التسامح دور في استبعاد الحق العام «ويقال عفا الله عما سلف» !؟

وللرد على المراوغين ، لننتقل إلى قضية أخرى لم يكن أحد أطرافها قد تضرر ولم يلجأ إلى المستشفى للعلاج، أي لم يحدث ضرر جسدي.  هي قضية النائب الذي لجأ إلى النيابة للإبلاغ عن إثبات حالة سرقة مزرعته وإطلاق نار على بيته. جميعنا لاحظ اهتمام المجتمع بهذه القضية، بل وحصلت على اهتمام مجلس الأمة، فتواجد رئيسه وبعض أعضائه لمعاينة مكان الجريمة .

نحن إذا أردنا أن نطبق مبدأ التسامح، فيجب أن يبدأ بالنائب المجني عليه، لا أن يلجأ للتصعيد القانوني والإعلامي. كما لا يحق للنائب كشخص يمثل أمة أن يصوّر للناس أنه متسامح مع جماعته أو قبيلته على حساب أمن المجتمع، وإذا كان هناك من صفق له فباقي المجتمع استنكر كيف تباهى بتنازله عن حقه مما أثار تساؤلا عند أفراد المجتمع وهو: أين الحق العام؟

إن استنكار المجتمع لا يعني أنه  مجتمع غير متسامح ، وإنما يعني أنه على وعي أن مثل هذه القضايا إذا لم يتم اتخاذ إجراء قانوني حيالها، ستتحول إلى ظاهرة سلبية تفتك بالمجتمع.، فالمجتمع على وعي أن التسامح لا يعني عدم تطبيق القانون، ولا يعني السماح بما ينتهك حرمة المجتمع ،ولا يعني خصخصة الحق العام.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث