جريدة الشاهد اليومية

مريم الصالح أول فتاة كويتية تقف على خشبة المسرح مع زميلتها مريم الغضبان

أرسل إلى صديق طباعة PDF

b_82_100_16777215_0___images_1-2018_F3(107).pngيعتبر الفن في نظر الكثيرين شعلة النار المقدسة التي تجتذب إليها مئات الفراشات الملوّنة كل يوم، فمنها من يدنو من النار فيزهو وتلتمع ألوانه، ومنها من يدنو  فيحترق، إلا أن أحداً لم يتوقف يوماً ليسأل من أشعل هذه النار التّي تغوي ليل نهار؟
إن من أشعلها هم  جيلٌ من الرواد حملوا على عاتقهم صكَّ الأحجار لإطلاق الشرارة الأولى ومن هؤلاء الرواد الأوائل الذين أشعلوا شرارة فن التمثيل في الكويت كانت «مريم الصالح» التي إلتمعت ألوانها حتى صارت تلقب برائدة الفن الخليجي.
مع اللحظات الأولى من مولدها عام 1946 أهلت  «مريم الصالح» إلى الدنيا في منطقة شرق الكويت لتصبح عضواً في أسرة من خمسة أشقاء ووالدها ووالدتها، وهناك عاشت طفولة هانئة إرتادت فيها المدرسة للتعلم، ودور السينما لمشاهدة الأفلام السينمائية التي تركت أثراً كبيراً على شخصيتها وهي لا تزال طفلة حينئذٍ مما كان يدفعها إلى صعود جدران البيت بعد عودتها وتقمص شخصيات هذه الأفلام في محاولة مبكّرة منها لإطلاق «جنيّ» التمثيل الذي يسكنها.
في الثامنة من عمرها أتيحت لها أول فرصة لتحويل هذا الشغف بالتمثيل  مع مجموعة من زملاء مدرسة «الشرقية الابتدائية»  وأمام جمهور حقيقي من الأمهات والمعلمات إلى عمل فني مدرسي، إذ قامت بأداء دور الطفلة اليتيمة «سميرة» في المسرحية المدرسية «ملح الطعام» والتي مكّنتها لأول مرة من تذوق طعم الوقوف على خشبة المسرح ومواجهة المتفرجين.
توالت تجارب «مريم الصالح»  في المسرح المدرسي حيث شاركت في مسرحيات مثل «الطاعة» 1957م،كما بدأت رحلتها مع الجوائز حين قامت بتجسيد شخصية «ابن نسيبة» في مسرحية «صقر قريش» 1961م وحصلت بفضل هذا الدور على جائزة الميدالية الذهبية لأحسن دور في المسرحية.
 لم تكن «مريم الصالح»  قد أتمت تذوق طعم النجاح وبلورة موهبتها على يد أخصائيي المسرح المدرسي الذين وفّرتهم الكويت للارتقاء بفن المسرح حين تآمرت عليها الظروف الاجتماعية فأجبرتها على ترك دراستها والقبول بوظيفة في وزارة الصحة إلا أن اهتمامها بمتابعة النشاط الفني في محيط الوطن العربي لم يتوقف يوماً وكانت تتخذ من زميلاتها في العمل جمهوراً مؤقتاً تعرض عليهن المشاهد التي تميزت فيها نجمات هذا الوقت من الفنانات العربيات أمثال «أمينة رزق» و«سناء جميل» و«سميحة أيوب» وغيرهن.
وفي أثناء ترقبها لمَخرجٍ تعودُ من خلاله «الصالح» لحياتها الحقيقية على خشبة المسرح، استطاعت التواصل مع الفنان «محمد النشميّ» الذي كان مسؤولا آنذاك عن «مؤسسة المسرح والفنون» التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والذي أخبرها أن هناك فرقة بقيادة عملاق المسرح المصري  «زكي طليمات »  تبحث عن ممثلين وممثلات،إلا أن العادات والتقاليد كادت أن تحول بين مريم الصالح  ومستقبلها الفنيّ مرة أخرى،إذ رفضت والدتها في بداية الأمر أن تلتحق ابنتها الشابة بفرقة تمثيل تعتلي المسرح فيطالعها الجميع، ومع إصرار  «الصالح» وافقت أمها على أن تذهب برفقة أخويها وتحت مراقبتهما !!
كان مشهد لقائها بالفنان زكي طليمات مربكاً ومفاجئاً حيث استقبلها في قاعة مكتظة بأكثر من خمسين شاباً وكانت «مريم» الفتاة الوحيدة بزيها التقليدي العباءة والبوشية، ما جعل عيون الجميع تنصب عليها حتى أنها تعثرت وكادت أن تسقط من هول الموقف، إلا أن طليمات أدرك معاناتها فقام باختبارها في قاعة جانبية فقامت بأداء مشاهد من مسرحية «صقر قريش» وما هي إلا دقائق قليلة من الأداء المبهر حتى يخرج الفنان زكي طليمات ليعلن للجميع عن تعيين أول فتاة كويتية تحترف مهنة التمثيل في أول فرقة مسرحية كويتية أُطلق عليها «فرقة المسرح العربي».
منذ ذلك الحين لم يتوقف قطار الإبداع ولم يخبُ وهج التميز في حياة مريم الصالح الفنية فقد أسهمت ليس فقط في مجال الأداء المسرحي الكويتي وإنما امتد اسهامها إلى مجال الأعمال الدرامية الإذاعية تمثيلاً وإخراجاً والأعمال الدرامية التلفزيونية بالإضافة إلى جهودها في كتابة النصوص المسرحية.
ففي مجال  العمل المسرحي شاركت مريم الصالح في أكثر من خمسة عشر مسرحية منها: «صقر قريش» و«ابن جلا» و«المنقذة» و«مضحك الخليفة» و«كازينو أم عنبر» و«انتخبوني» و«حرامي آخر موديل» و«الليلة يوصل محقان» و«ضاع الديك» و«يكفيك شرها» و«جنون البشر».
وفي مجال الدراما التلفزيونية قدمت نحو ثلاثة وخمسين عملاً درامياً ناجحاً رصدت فيها التغيرات المجتمعية لدولة الكويت وقامت بتجسيد شخصية الأم بمنتهى الصدق فظلت عالقة في أذهان الجميع بأعمال مثل : «مذكرات بوعليوي» و«محكمة الفريج» و«الحدباء» و«إنهم يكرهون الحب» و«الطابق الثالث» و«الغوص» و«الزير سالم» و«الرحيل» و«بيت بلا أبواب» و«عندما تشتعل الثلوج» و«ديوان السبيل» و«ثمن عمري» و«مصنع الرجال» و«لعبة كبار» و«الأرجوحة» و«سوالف حريم» و«إن فات الأوان» وغيرها.
ومن الأعمال الإذاعية التي شاركت فيها نذكر: «قلب أم» و«نافذة على التاريخ» و«فارس مع النفاذ» وقد ساهم عملها كمخرجة في الإذاعة الكويتية في تطوير وصبغ العمل في هذه المنصة الإعلامية بشكل فني ساعد في وصولها إلى كل بيت داخل الكويت.
كما لم يخلُ مجال الكتابة الأدبية من اسم «مريم الصالح» حيث قدمت للمسرح نصوصاً أدبية منها  مسرحية «جنون البشر» عام 1997.
لم تستسلم «مريم الصالح» للظروف الاجتماعية التي أجبرتها على ترك الدراسة في بواكير حياتها حيث عادت لتستكمل جهدها في التخصصات التي أحبتها وعملت بها، فحصلت الصالح على دبلوم معهد الدراسات المسرحية عام 1968، وبكالوريوس في «المعهد العالي للفنون المسرحية» قسم التمثيل والإخراج عام 1979، كما حصلت على الماجستير في الإخراج من جامعة بريستول البريطانية.
حازت الفنانة مريم الصالح منذ خطواتها الأولى على اهتمام ومتابعة النقاد الفنيين وحملت تعليقاتهم الكثير من التقدير لدورها الرائد في الفن المسرحي فيقول المحرر الفني لجريدة «الرسالة» الكويتية في أول مقابلة معها عام 1962: «أما مريم الصالح فقد تخطت جميع الصعوبات التي اعترضتها في سبيل عملها في المسرح، فهي  لا تهتم بكلام الناس وتعتبر التمثيل فناً راقياً يمكن أن يلعب دوراً هاماً في المساهمة في توجيه وتثقيف المواطنين، كما أطلق عليها عميد معهد المسرح الأسبق «سعيد حطاب» مع  زملائها علي المفيدي، أحمد مساعد، أمين الحاج وكنعان حمد، لقب الخمسة العظام، لدورهم في تأسيس فرقة المسرح العربي.
حصلت الفنانة «مريم الصالح» على العديد من الجوائز ومناسبات التكريم إلا أن أهم ما حصلت عليه على الإطلاق هو حب الشعب الكويتي لها وتقديره لفنها ما جعلها تذرف الدموع حين وجدت جمهورها ينتظرها بالورود عند عودتها من رحلتها العلاجية بالولايات المتحدة الأميركية.
 
تكريم وجوائز استحقتها
مريم الصالح
حصلت مريم الصالح على العديد من الجوائز والتكريمات منها درع رائد مسرح من «فرقة المسرح العربي» في الاحتفال بيوم المسرح العربي لتكريم الفنان المسرحي من دولة الكويت عام 1977،وجائزة فضية عن دورها في مسرحية «العاقل يقول أنا» لفرقة المسرح الشعبي، في الاحتفال «بيوم المسرح العربي لتكريم الفنان المسرحي» 1980، وتكريم من «الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية» 1994م، وتكريم من «فرقة المسرح الشعبي» بمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيس الفرقة 1996م، وتكريم مجلس التعاون الخليجي في «مهرجان المسرح ‏الخليجي الخامس» مع الفنانة مريم الغضبان، وتكريم من «مهرجان المميزون في رمضان» عام 2011م .
ستظل «مريم الصالح» علامة مميزة في تاريخ الحياة الفنّية الكويتية بل والعربية كمثالٍ لجيل من الرائدات ارتضى أن يشق طريقاً لم يمهد من قبل،وأن يضع الملامح الأولى واللمسات المبكرة لأجيال قادمة ستجد من أضاء لهم طريق الفن والثقافة والمتعة.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث