جريدة الشاهد اليومية

شركات النفط الوطنية ... حجر الزاوية وقطبا الرحى في التقدم الاقتصادي

أرسل إلى صديق طباعة PDF

b_0_310_16777215_0___images_1-2018_E1(27).png«إكسون موبيل» هي أكبر شركة نفط مدرجة بالبورصة في العالم، حيث تبلغ قيمتها السوقية نحو 355 مليار دولار. لكن إذا تم تصنيف شركات النفط وفقاً لحجم الاحتياطيات التي تسيطر عليها، فسنلاحظ أن عملاق الطاقة الأميركي سيتراجع إلى المرتبة السابعة عشرة.
المراكز الستة عشر الأولى في الترتيب الذي تتصدره «أرامكو» تسيطر عليها بالكامل تقريباً شركات النفط الوطنية المملوكة كلياً أو جزئياً للحكومات. وهذه الشركات سيطرت على 75% من الإنتاج العالمي من النفط و90% من الاحتياطيات المؤكدة من النفط والغاز في عام 2010، وفقاً لبيانات البنك الدولي.
وبالتالي، حين يتعلق الأمر بالقدرة على التأثير على أساسيات أسواق الطاقة، فهذه الشركات لديها أدوات قوة لا تمتلك عشرها شركات مثل «إكسون موبيل». ولكن مثل أغلب الكيانات المملوكة للدولة، نجد أن شركات النفط الوطنية أكثر عرضة من غيرها لمشاكل مثل التوظيف الزائد عن الحاجة المؤسسية ونقص الاستثمار والتدخل السياسي والفساد.
وفي هذا التقرير سنستعرض مثالين متناقضين لكيفية إدارة شركات النفط الوطنية لثروات بلادها، وسنرى كيف أن أداء شركة واحدة في قطاع واحد من الممكن أن يكون له تأثير بالغ في ازدهار
أو انهيار دول.
مثل العديد من البلدان النامية قامت فنزويلا بتأميم صناعة النفط في السبعينات. لكنّ السياسيين الفنزويليين الذين كانوا يدركون حجم الفوضى التي أحدثها نموذج «بيمكس» – أكبر شركة نفط وطنية في أميركا اللاتينية في ذلك
الوقت – في حقول النفط المكسيكية منذ الثلاثينات حيث ابتكروا هيكلا إداريا جديدا، أصبحت فيه الامتيازات الأجنبية أقساما تابعة لشركة النفط الفنزويلية، ولكنها تتمتع بالاستقلالية.
انطلاقاً من هذه البداية المعقولة، بنت شركة بترول فنزويلا المعروفة باسم «بتروليوس دي فنزويلا» PDVSA لنفسها سمعة من الاحتراف والكفاءة، لم تكن تتمتع بمثلها الكثير من شركات النفط الوطنية. وكان يعتقد أن الشركة خالية نسبياً من الفساد والمحسوبية التي كانت منتشرة في كل أرجاء فنزويلا، وخصوصاً أنها كانت قادرة على إنتاج نفس الكميات النفطية التي كانت تنتجها «بيمكس» المكسيكية بثلث الموظفين.
لكن عندما تولى «هوجو تشافيز» السلطة في عام 1999، بدأ في الضغط على الشركة محاولاً استخراج الأموال منها بأي شكل لصالح الميزانية الحكومية. وبحلول عام 2000 انخفضت استثمارات الشركة إلى 2.5 مليار دولار مقارنة مع 5.4 مليارات دولار في عام 1997.
واتهم «تشافيز» الشركة الوطنية بإخفاء أرباحها عن الحكومة عبر اتباع أساليب محاسبية مخادعة، وشكك في خطط الشركة الخاصة بالتوسع في الخارج، ولم يعجبه الاستقلال النسبي الذي تتمتع به إدارة الشركة عن الحكومة، فقام بتعيين بعض الموالين له فيها بغرض فرض سلطته عليها.
وأبدت إدارة PDVSA استياءها من الإجراءات التي اتخذها «تشافيز» وقام عاملوها بتنظيم إضراب عام في ديسمبر 2002، شارك فيه ما يقرب من نصف موظفي الشركة البالغ عددهم نحو 40 ألفاً.
أغلب المضربين عن العمل كانوا من الموظفين المهرة من - مهندسين وفنيين - والذين أضربوا عن العمل لمدة شهرين. وبما أن الآبار النفطية تتطلب صيانة ورعاية مستمرة، تسبب هذا الإضراب في دمار الكثير من هذه الآبار، وخسرت فنزويلا ما يقترب من 400 ألف برميل من طاقتها الإنتاجية للأبد، فضلاً عن مليارات الدورات من العائدات.
لكن الأسوأ لم يأت بعد. فقد اتهم «تشافيز» المضربين عن العمل بأنهم مخربون وأقالهم جميعاً! هؤلاء كانوا يمثلون ثلثي المديرين والمهندسين والفنيين. فقدت الشركة في لحظة موظفيها الأكثر خبرة وتأهيلاً، وتعرضت لما يشبه السكتة الدماغية. والكارثة هي أن خبرات هؤلاء في إدارة الآبار الفنزويلية جعلتهم غير قابلين للاستبدال.
من هنا بدأ مسلسل السقوط. وقامت الحكومة باستبدال الموظفين الذين تمت إقالتهم بآخرين لا يمتلكون الخبرة أو الكفاءة وكان أغلبهم نتاج المحسوبية، وهذا بالتأكيد أثر على أداء الشركة. فعلى غير المعتاد أصبحت العطاءات تستغرق أشهراً قبل أن تكتمل، وزادت الحوادث والحرائق القاتلة في المصافي التابعة للشركة.
مثل كل المشاريع الحكومية الفاشلة، تم تسييس إجراءات التوظيف ومسوغات التعيين. فكان ابن عم «تشافيز» يدير شركة الشحن التابعة لـ «PDVSA» بينما كان شقيق الرئيس «أدان» يقوم بتنسيق مبيعاتها من النفط في جميع أنحاء منطقة الكاريبي في الوقت الذي كان فيه أيضا سفير البلاد لدى كوبا.
فنزويلا هنا عن طريق نظامها الحاكم، استخدمت ثروتها النفطية في تعظيم سلطة الدولة، في حين كان من المنتظر حدوث العكس. وهكذا نشأت «PDVSA» في بلد يفتقر إلى مؤسسات وطنية قوية قادرة على إدارتها أو إدارة عوائد النفط، وهذا في الحقيقة هو أقصر طريق إلى الفساد وعدم الكفاءة.
لكن لحسن الحظ، لا تدار كل شركات النفط الوطنية بطريقة سيئة مثل «PDVSA» الفنزويلية. فـ«ستات أويل» النرويجية على سبيل المثال، تعتبر نموذجا يحتذى به في كيفية إدارة شركات النفط الوطنية.
منذ قطرة النفط الأولى، اعتمد النموذج النرويجي للإدارة الحكومية لقطاع البترول على الفصل بين السياسة والتجارة والرقابة التنظيمية.
مهمة وزارة البترول والطاقة النرويجية هي العمل مع القيادة السياسية للبلاد على تحديد الأهداف الكلية لقطاع البترول الوطني، ووضع افتراضات لكيفية تحقيق هذه الأهداف، وإدارة عمليات الترخيص. في حين أن الإدارة التجارية للقطاع، متروكة لشركة «ستات أويل» المملوكة جزئياً للحكومة.
ولعبت عائدات البلاد من النفط على مدار الخمسين عاماً الماضية دوراً رئيسياً في تقدم وتطور النرويج، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى السياسات الحكومية السليمة. فالقطاع النفطي النرويجي يحكمه مبدأ بسيط جداً، وهو أنه لا يجوز للنخبة السياسية من أي حزب كانت أن تزيد من سرعة الإنتاج بغرض تحقيق إيرادات مباشرة لميزانية الدولة.
المبادئ العامة التي ترتكز عليها السياسة النفطية النرويجية تنص على أن جميع مراحل الإنتاج «الاستكشاف والتطوير والإنتاج» يجب أن تولد أكبر قيمة ممكنة للمجتمع. وعلاوة على ذلك،
لا ينبغي أن تعود الإيرادات بالفائدة على الدولة فحسب، بل على المجتمع النرويجي بالكامل.
ويعتمد نجاح النموذج النرويجي في إدارة المواد الهيدروكربونية بشكل أساسي على عدة عوامل، أهمها الدور المركزي للدولة والتفاعل الجيد بين سلطاتها والشركات الوطنية والموردين ومؤسسات البحث والتطوير، بالإضافة إلى الفصل الصارم بين المهام السياسية والتجارية والتنظيمية.
أخيراً، يبدو أن امتلاك الكثير من النفط ليس شرطاً أساسياً لنجاح شركة نفط وطنية. ففي الوقت الذي تصارع فيه «PDVSA» الفنزويلية التي تضع يدها على أكبر احتياطي نفطي في العالم من أجل البقاء، نجد أن «ستات أويل» النرويجية مع احتياطياتها النفطية الصغيرة نسبياً، استطاعت مساعدة بلادها في بناء نموذج تنموي واجتماعي يحتذى به.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث